الأخبار العاجلة

الدوني.. والدونية

/توقفتُ عن كتابة القصة القصيرة منذ ما يزيد على الاربعين سنة، قبل ان اتجه الى الصحافة والكتابة السياسية، واتذكر ان آخر محاولة قصصية لي، لم تكتمل، كانت تتضمن محاولة موظف صغير «عيّن بالواسطة» وترقّى بـ «الدفع» وصار يتحكم برقاب زملائه ويمعن في إذلالهم، لكنه بقي يشعر بالدونية بسبب مؤهلاته المتدنية وكفاءته الضعيفة، بل ان الكثير من زملائه كانوا ينعتونه سرًا فيما بينهم بما يشبه الوشوشة بـ(الدوني) فجاء الدوني، وذهب الدوني، وتغيّب الدوني، ويريدك الدوني..وهكذا، وقد تركتُ احداث القصة عند هذا الحد، بعد ان اخفقتُ في تطوير وتنمية شخصية البطل قدماً نحو الهدف الذي وضعته للقصة، آنذاك، وهو التحذير من الكلب إذا استكلب، ومن الدوني إذا استقوى.
/الكثير من الناس المكافحين، الصادقين مع انفسهم، المشهود لهم بالكفاءة والمثابرة والنزاهة والنضال والفروسية، الواثقين من انفسهم، يمكن ان يترقوا، ويصعدوا سلالم الوظائف، او ان يشقّوا طريقهم الى ذرى المواقع الوظيفية او الاجتماعية، وهم يكسون موقعهم الرفيع بالحياء والتواضع ونكران الذات والعفة، ويتصرفون كما لو ان المرتبة العليا قد تزول يوماً، وان فلك الاقدار قد يدور على نفسه خارج ما هو متوقع او منظور، فيسقط الاعلون، ويرتفع الادنون، ويحل الحساب بمن تجبّر وطغى، فلم يجد اياما كافية للبكاء، وتجازي الحياة مَن عَدِل وعفّ فيجد متسعًا من الوقت للرضا والفخر والاعتزاز بالنفس.
/الى ذلك لا يتعلق الامر بملامة النفس او امتداحها، ولا بحظوظ الصعود والسقوط، بل (اصلا) في الشعور بالدونية، او الثقة، حيال النفس، ما ينعكس في التعامل مع الاخرين.
/في تلك القصة، التي بقيت عالقة في منتصف الطريق، طوال اربعين سنة، يركب الدوني كل ريح حتى وإن كانت تلك الريح صادرة عن مروحة، وهو يُظهِر لك وجهاً بشوشاً وكلاماً ناعما لمّا يكون مغلوبا، ويشهر لك اسناناً وخناجر حين ينقلب غالباً. تربكه السلطة حين لا تكون في متناول يديه، وتسكره السلطة حين يمسك بخناقها. يحترمك بافراط لمّا تدوس على رقبته وهو في موقع الضعف، ويبطش بك بلا رحمة حين تطأ ذيل ثوبه وهو في موقع القوة. مشرع الابواب حين لا نحتاج اليه، وبلا ابواب عندما يعتلي اقدارنا. ينادينا بالنشامى عندما يريد ان يصعد على اكتافنا، ويسمينا بالنفايات حين ندافع عن حقنا في ان نعيش بكرامة.
/القصة التي كتبتُ بدايتها قبل اربعين سنة لم تكتمل، مثلما ترون، كما لو اني اكتبها الآن، إذ يقف الدوني بيني وبين الخاتمة.
*******
حكمة مترجمة:
«كلنا كالقمر، له جانب مظلم»
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة