استدراك في تحذير العبادي من «بيع التعيينات»

قد لا يُفرِح الكثيرين تحذير رئيس الوزراء من «بيع التعيينات» لوظائف الدولة من قبل عصابات اجرامية ومحترفة، فان هواجس الملايين من العراقيين تُشكك، في جدوى سياسة المناشدة والتهديد والتذكير والتبصير والوعظ عندما يتعلق الامر بنصابين محترفين صارت لهم مكاتب وحمايات ومصاهرات سياسية، وكانوا قد اكتسبوا مهارات عابرة للاعراف والمصطلحات والقوانين، واكتشفوا درابين لم نكن لنعرفها سابقاً للوصول الى منطقة القرار والحسم والتعيين لاختطاف المنصب وعرضه للبيع وفق تسعيرة شديدة الدقة والتوصيف، وهي وقائع أخذت حيزًا واسعًا في وسائل الاعلام والتعليقات والكواليس، إذا كان غالبيتها غير صحيح فان المتبقي منها القليل مثير للهلع، فيما سقط في هذه «السوق» كثير من الضحايا، وتحطمت احلام وعائلات وفرص، وزج بمتورطين «ثانويين في الغالب» وراء القضبان نادمين، ولات ساعة مندم.
هذا هو الاستدراك في تحذير العبادي، فلا فائدة، في رأيي ورأي الكثيرين، من المراهنة على يقظة ضمير الموغلين بالنصب والاجرام، ولا على نجاعة تحذيرات الحكومة في ردع هذا الغول، لكني (وعلى مسؤوليتي) اقرأ نص عبارة رئيس الوزراء بقوله «أحذر من دفع الأموال مقابل التعيينات إلى عصابات تستغل المواطن» كونها موجهة، لا الى النصابين وحماتهم فقط، بل في المقام الاول الى اصحاب الحاجة للوظيفة من المواطنين، كي لا يقعوا في شراك تلك العصابات، وذلك تأسيساً على بديهية تقول: إذا كان تحذير النصّاب المحترف لا ينفع في الانواء الانتقالية المضطربة فان المسؤولية توجب تحذير ضحيته، وهذا ما يُفهم من وجيز كلمات رئيس الوزراء، والبقية تقع على الاعلام الذي يملأ الفضاء في التشكي من الفساد ليضع المواطن في صورة الخطر الذي يمثله شراء وظيفة حكومية بالمال، واستبقُ الامر بالقول ان ثمة «ضعفاً» في الحالة الاعلامية جنب فوضى بائنة في تجهيز ضرورات التعبئة لبناء وعي مجتمعي يسد الطريق على «عار» المتاجرة بفرص التعيين.
في النتيجة والتفاصيل لا يمكن النظر الى تحذير العبادي من وجود عصابات تتولى بيع فرص التعيين للوظائف إلا من خلال معلومة متداولة على نطاق محدود وتفيد ان على طاولة رئيس الوزراء معطيات موثقة عن هوية وجيوب وحماة تلك العصابات، والاكثر من ذلك معلومات موازية عن سياسيين ووكلاء لهم ومسؤولين في الحكومة ومجالس المحافظات يمارسون هذه التجارة الوسخة، وان الوضع (كما يرى العبادي) غير موات لفتح معركة أمنية ومجتمعية وقائية قد تؤثر (الآن) على التعبئة العامة في الحرب الضروس على فلول داعش الاجرامية، ويرى آخرون العكس، فان تأجيل المواجهة مع جيوب خطيرة تعرقل برنامج آب 2015 الاصلاحي ولوازمه في تحقيق دولة المواطنة، من شأنه ان يرسخ أوتادها ونفوذها وقوتها ما يصعب اقتلاعها لاحقاً، وربما سيهدد ذلك نتائج الانتصارات على الارهاب.
/في كل الاحوال، يمكن عدّ تحذير رئيس الوزراء من المتاجرة بفرص العمل بمنزلة رسالة استباقية للجهات المتنفذة التي تحمي تلك العصابات ، أو تدير «خدماتها» من وراء الستار، وكأنه يقول لهم: الحساب آت.، وإن طال الوقت.
**********
ابن رشد:
«مِنَ العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة