إرث لكل العراقيين

بالرغم من مرور أكثر من 35 عاماً على استقالتي من الحزب الشيوعي العراقي، لأسباب يعرفها من كان قريباً منا في جبال كردستان (قواعد الانصار)، الا انني كثيراً ما أجد نفسي بمواجهة الحملات الجبانة والظالمة التي لم تتوقف بعد زوال النظام المباد وحسب بل ولجت الى اطوار اشد صلفا وتشويهاً لسيرة أحد أهم الاحزاب السياسية في تاريخ العراق المعاصر. حزب وضع بصمته المميزة على تضاريس شتى الحقول الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وهذا ما دونه يراع الباحث المنصف حنا بطاطو في مؤلفه البارز (العراق) حيث خصص أحد مجلداته الثلاثة لسيرة ونشاط ذلك الحزب (الكتاب الثاني). لا يمكن العتب على الجماعات والمخلوقات التي تعد بغض الشيوعية بالنسبة لها عبادة، فلا قيمة لكل ما يهذرون به كونهم محكومين بلجام (حب واحجي واكره واحجي) لذلك نجدهم بمناسبة وغيرها يجترون علف ما قدم لهم من قصص واحداث مجتزأة عن سياقها وشروطها التاريخية، ليدغدغوا بها احقادهم الضحلة، مثل قضية (السحل والحبال) والاكاذيب التي دبجوها عن ما جرى في الموصل وكركوك عام 1959 وعن شعار (ماكو مهر بس هالشهر) بوصفه دعوة للاباحية..! وعن التهم الملفقة لتمزيقهم نسخاً من القرآن، والتي كشف حقيقتها حسن العلوي في مؤلفاته الاخيرة، عندما اعترف بأن تلك الممارسات المشينة كانت من فعل البعثيين لتشويه سمعة الشيوعيين، خاصة وقد جاءت مترافقة وباكورة فتاوى التكفير التي عدت (الشيوعية كفر والحاد)..؟!
كل من ما زال يقبض على شيء من العقل والانصاف والحس بالمسؤولية تجاه وطنه وشعبه، لا يمكن ان يجادل على السمو والرقي الاخلاقي والقيمي الذي ارتقى اليه العراق زمن الجمهورية الاولى (1958-1963) وفي الوقت نفسه الانحطاط الذي انحدر اليه بعد ان نجحت الجبهة المعادية بكل عناوينها المستمدة من (الرسائل الخالدة) وما يتجحفل معها من ادعاءات العفة والتقوى والفضيلة والاصالة والحملات الايمانية، وغير ذلك من الواجهات التي حولت حلم المشروع الوطني والانساني الى سلسلة من الكوابيس المتواصلة الى يومنا هذا. نعم الحزب الشيوعي العراقي وكأي حركة سياسية اجتماعية مر باطوار مختلفة وقد تغيرت سياساته وفقاً لنوع الزعامات التي ادارت دفة الامور فيه، وقد كلفت السياسات الذيلية وانتفاخ صفوفه بغير القليل من المتسللين، الحزب الكثير من سمعته ونفوذه، وما حصيلة ما حصده في الدورات الانتخابية بعد زوال النظام المباد الا دليل واضح على ما انحدر اليه. لكن كل ذلك لا يلغي المحطات المشرقة من تاريخه التي سطرها خيرة بنات وابناء هذا الوطن المنكوب بلعنة الكراهة والاحقاد المتوارثة. لقد اختلفت شخصياً مع تلك السياسات التصفوية وتعرضت للكثير من المتاعب بسبب ذلك، لكن كل ذلك لا يمكن ان يسلبني قدرتي على تمييز الامور وتفكيكها عن بعضها البعض الآخر، وهذا من بديهيات التعاطي مع مثل هذه الحركات الشعبية، لا التعاطي معه ككل واحد، تختزل ملامحه وهويته بتلك الاحداث المجتزأة والعابرة. الجهلة والموتورون لا عتب عليهم، لكن كيف يبرر من منحته الحياة تجربة وثقافة وعدة معرفية لسبر غور ما يتدفق عن حركة الحياة من تجليات متنوعة ومختلفة وشديدة التحول؛ كل هذا التشبث بالاجابات المسبقة والضحلة، في التعاطي مع ارث سياسي هو ملك لكل العراقيين، ارث ما زال ينتظر؛ عقول وضمائر لم تسممها الاحقاد والثارات..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة