الأخبار العاجلة

صوته» للينا أبيض: الدفن تحت «نَصِّه» خوفاً من الوحدة

روجيه عوطة

لم تأت مسرحية «صوته» للينا أبيض التي عرضت خلال تشرين الثاني على خشبة مسرح المدينة «قتباس من (الصوت البشري) لجان كوكتو-ضمن احتفالية عيد «المدينة» العشرين» سوى كمشهد واحد، تفتتحه ممثلته رندة كعدي وهي متوارية تحت كمية ضخمة من رسائل الحب. يرن الهاتف، فتظهر، مرتديةً الأسود، وعلى جلدها عدد من العبارات التي بدت استمراراً لتلك الجمل المسجلة على الأوراق الكبيرة من حولها.
تردّ، وصوت المتكلم معها يصل مطموساً، ثم يغدو قصياً، ومع هذا، ينزل بقوة عليها. ترتجف، تتمسك به، كأنه حبل نجاتها من وضعها المفجع: «آلو، إيه، عم إسمعك، عم تسمعني؟»، وتشرع في محادثة حبيبها، الذي تركها منذ ثلاث أيام، وها هو يتصل بها لكي يستعيد الرسائل المتبادلة بينهما من أجل إحراقها. تجهد في تلقي قراره، تدعي الصلابة في مخاطبتها إياه، ولما تزيح سماعة التلفون عن أذنها وفمها، لا تخفي انهيارها.
تحاول، فيما يقع كلام حبيبها على مسمعها، كبت خوفها من فقدانه، بحيث أن صوته هو آخر خيط يربطها به، لا سيما أن المهاتفة، التي تلقتها منه، هي خاتمة قصتهما. من بعدها، لن يعود حاضراً، سيغيب، مثلما أنه سيكون على علاقة مع امرأة أخرى، وبالتالي، ستستحيل حبيبته السابقة وحيدةً من دونه، ولن تتمكن من رؤيته مجدداً. فهي عندما تتشبث بأثره النهائي، أي صوته، فلكي لا تسقط في العزلة، وتستولي الوحشة عليها، وهكذا، يبدأ واقعها، الذي لا طاقة لها عليه، والذي تفضل الإنتحار على أن تهوي فيه.
عبر نبرتين، نبرة الإستنجاد بالآخر من أجل تلافي الوحدة المرهِبة، ونبرة المكابرة على رهاب الوحدة من أجل إرضاء الآخر، داومت كعدي على شخصيتها، وتمكنت من تقديمها، مرةً، كخائفة، ومرةً، كمتنكرة لخوفها. ولا يضحي الحد بين هذين السلوكين جلياً سوى في إثر «صوته»، الذي حين تسمعه الحبيبة، وتخاطب صاحبه، تنتقل، وبسرعة، من هبوطها إلى التطبع بالسكينة، لكنها، وفي لحظة ما، ولكي تخفف من اضطرابها، تخبر مهاتفها، الذي تواظب على تأخير أفوله من وجودها، بأنها على وشك الموت نتيجة هجسها في انقطاعه المقبل عنها. إلا أنها تتراجع عن كلامها، وتستوي بصوتها على مسمعه، مشددةً على كون حالها لن يسوء بعد إنتهاء المكالمة.
لا تخشى المتعلقة بالصوت من فقدان حبيبها، لكنها، تخشى العزلة، ولذلك، تسعى إلى الإحتفاظ بأي أثر من آثار الآخر، الذي حين يتكلم معها في شأن إحراقه للرسائل أو غيره، يقصف جسدها، قبل أن يضبطه، أو يتركه على انحلاله. كأن صوت هذا الآخر، وكلما وجدت حبيبته نجاتها فيه، يصير مميتاً لها، كأنه المنفذ، الذي يلوح لها، وفي الوقت عينه، يعيق تقدمها نحوه، وهذا ما قد يتصل بكونه صوتاً إسكاتياً. فغالباً ما تتفاعل الحبيبة، أو بالأحرى المرتاعة من وحشتها، عبر كبت الذات، كأنها تريد أن تقول له: «أنا لا أحبك، لكني أخاف من عزلتي، أخاف الإرتطام بنفسي»، لكنها، لا تفعل ذلك، بل تحبس هذه الجملة في جسدها، تحت جلدها، الذي يضيق بتدوينات الحب.
ثمة من أحب، ورفض أن يفقد آخره، أن ينتحر بدلاً من أن يقتل آخره. وثمة من رأى في التذكر حصناً له من حاضره، وليس علامة على إنتهائه من ماضيه. وثمة، وهذا هو المهم، مَن يريد تعطيل وحدته، كأنها الجحيم بعينه، فلا يستطيع. وبالفعل نفسه، لا ينجزها لكي يتمكن من الإقلاع عنها. ربما، لا مناص، يوماً ما، من تعريف فاعل الحب الذائع بصلاته ونصوصه وصوره وأصواته، بأنه المرهوب من انفراده بواقعه، من انفراده بحدوث قلبه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة