السعودية.. ماذا بعد؟ (3) مراهنات كارثية

ابتدأ مسلسل المراهنات السعودية المرتدة عليها وبالا وكوارث واهداراً بالثروات الطائلة من افتراقها عن تنظيمات «المجاهدين» ضد الوجود السوفيتي في افغانستان، وتمرد مدللها وصنيعتها اسامة بن لادن على مشيئتها وتأسيسه تنظيم «القاعدة» من غالبية المنخرطين السعوديين في المجاهدة بافغانستان وتحول «مشروع الجهاد» الاصولي المسلح الى خميرة للتيار الارهابي الذي اجتاح العالم غداة انهيار الاتحاد السوفيتي ودخول العالم عصر ما سمي بالقطبية الواحدة، او متعددة الرؤوس، واندلاع مواجهات حكومية مكشوفة مع التنظيم، وعبثًا حاولت مخابرات آل سعود في احتواء هذه العاصفة التي زرعت خلاياها في كل شبر من المملكة وأخضعت الى املاءاتها ورطاناتها كل مساجد السعودية ودعاتها وعقل شبابها «المتديّن»، متدني الثقافة والوعي.
ولغرض تدارك احكام هذا التيار الجارف لجأت السلطات السعودية الى منهج (رهان ايضا) تشجيع انصار القاعدة على «الجهاد» خارج اراضي المملكة، وقدمت لهم تسهيلات واسعة من المال (منظمات الاغاثة) والاعلام وغض الطرف، وحضّتهم بواسطة وسطاء وخطباء مساجد على الانتقال الى ساحات تمتد من اقصى الشرق الروسي، الى داخل الولايات المتحدة، الى كل دول القارة الاوروبية، الى مجاهل افريقيا، وكان ذلك بمنزلة اللعب بالنار والضحك على العالم، بتأكيد المملكة لفظيا انها تشاركه الحرب على الارهاب، وعندما هوجم مركز التجارة الدولي في نيويورك في 11 ايلول 2001 من قبل القاعدة ظهر جلياً بانها «عملية سعودية» بامتيار فهناك قائدها وملهمها السعودي ابن لادن وثمة 11 انتحاريًا سعودياً من عدد الانتحاريين السبعة عشر، فضلا عن تمويل مالي سخي للعملية والتنظيم الارهابي من قبل اقنية المملكة بما فيها حلقات تتصل بالاسرة الحاكمة الامر الذي توصلت له لجنة التحقيق الاميركية التي تكفلت كشف خفايا الجريمة وشبكات الاعداد والتمويل، وضم محضر التحقيق ما يزيد على 30 صفحة من المعلومات الموثقة عن دور السعودية (عبر مساجد ومنظمات اغاثة ومسؤولي سفارات) وتم اخفاء هذه الصفحات بقرار «فيتو» من قبل الرئيس بوش الابن ضمن صفقة، تتضمن في ما تتضمن، تشديد تبعية المملكة الى الاستراتيجية الاميركية، وشاء مسلسل انهيار المراهنات ان تتخلى واشنطن، بعد عقد ونصف العقد من الزمن، عن التزام قرار التحفظ على المعلومات الخاصة بدور السعودية في هجمات 11 ايلول، لترخص للمحاكم النظر في طلبات اسر الضحايا بتعويضات من السعودية وقد قدرت المبالغ بمليارات فلكية، تفصم ظهر الهيكل الاقتصادي للمملكة في وقت تعاني من هزات مالية متناسلة.
والمراهنات الخائبة تجر بعضها، فقد خابت آمال السعودية من مشاركاتها في «حروب العراق» الثلاث وانتهت الى موقع «الخصم» المذعور حيال مستقبل العراق، ثم راهنت على الاحداث المصرية فتنقلت في دعمها لـ «الاخوان» الى دعم حكم السيسي، الى مخاصمة الاخير، عبر حركات ومواقف متخبطة، وهنا رصد «ديفيد هيرست» في مقاله (السعودية تحصد ما زرعت) هذا المفصل من الرهانات السعودية المرتدة بقوله»يمكن للمرء أن يبالغ في خطورة الخصومة الحالية بين السعودية ومصر. بل يرى البعض أن السعوديين سيصعب عليهم التخلي عن السيسي بعد أن استثمروا فيه بسخاء منقطع النظير، ومع ذلك، وحسب المعطيات الحالية، لقد أخفقت مصر في تزويد السعوديين بقوات للمشاركة في حرب اليمن، وصوتت لصالح مشروع القرار الروسي حول حلب الأمر الذي اشتاط له السعوديون غضبًا».
في حافظة الاحداث مراهنات سعودية مرتدة في منطقة الخليج واخرى مرتدة في الحرب السورية وثالثة في العلاقات مع الغرب ورابعة في الحفاظ على جيل لا يرفع رأسه احتجاجاً، وخامسة في ما حدث ويحدث في لبنان، وسادسة في جميع تحالفاتها ، بحيث لم يبق لديها حليف مطمئن الى مستقبل وجود هذا النظام على الخارطة.. فماذا تبقى لكي توصف السعودية بـ»الرجل المريض».
***********
توماس كارليل
«يمكنني القول إن أعظم الأخطاء هو أن يكون المرء غير مدرك للأخطاء التي يرتكبها».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة