شعب ام حطب؟

منذ زمن بعيد عرفت القبائل والشعوب والامم معنى الحرب وتداعياتها وعواقبها الوخيمة على المجتمعات والدول، وقد اختزلت هذه المقولة تلك المعاني: (الحرب أولها نجوى وأوسطها شكوى وآخرها بلوى). لذلك يسعى القادة والحكماء النأي ببلدانهم عن المستنقعات التي تنتهي اليها غالبا هذه الوسيلة البدائية (الحرب) والتي تسنزف افضل الطاقات والثروات المادية والبشرية. في العصر الحديث وضعت الحرب العالمية الثانية حداً للحروب العالمية الواسعة، وخرجت بمعاهدات وقوانين ومدونات تحمي الاسرة الدولية من خطر الحروب وتحد من بؤر التوتر والصراعات، عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية المجربة. مع هذه الانعطافات الحكيمة والمسؤولة في العلاقات الدولية، شهد العراق تحولات زعزعت الامن والاستقرار فيه، بعد وقت قصير من ولادة العراق الجديد، حيث ابتدأت بسلسلة الانقلابات العسكرية، والحرب في كردستان العراق، والتي مهدت الطريق لاحقاً للردة الحضارية وسلسلة الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية (التصفيات الدموية لكل اشكال المعارضة السياسية والفكرية وحربي الخليج الاولى والثانية) والحصار وعواقبه التي حفرت اغوارا عميقة في سلوك وسايكولوجية قطاعات واسعة من سكان هذا الوطن المنكوب. منذ أكثر من نصف قرن ولعنة الحروب متشبثة برقبة العراق من دون الدول الاخرى، حتى التدخل الدولي والقوات العابرة للمحيطات التي اطاحت بنظام “جمهورية الخوف” لم يفلح بازاحة هذه اللعنة عن عراق ما بعد “التغيير” حيث طفحت سريعاً حروب من نوع جديد (الحروب الدينية والطائفية) وجدت في سكرابنا المحلي كل ما تحتاجه من أسمال بيارغ وعقائد بالية وثارات صدئة؛ كي تشتعل بضراوة ووحشية لم تعرفها الحروب السابقة من قبل.
بعد أكثر من عامين من الحرب الشرسة ضد عصابات داعش الاجرامية، التي احتلت أكثر من ثلث الاراضي العراقية، تقف قواتنا المسلحة والفصائل المتجحفلة معها على أبواب آخر المدن العراقية المحتلة (الموصل) والتي ستتحرر لا محالة من قبضة ذلك التنظيم الارهابي، وسيكون ذلك تتويجاً لتضحيات ومآثر لا حدود لها لأولئك المقاتلين البواسل. لكن هل ستضع تلك المعركة نهاية للعنة الحروب التي رافقتنا منذ أكثر من نصف قرن، أم ستسلم الراية لجيل جديد منها؟
المناخات والشروط ونوع الكتل والاصطفافات لا تشير الى نهاية قريبة لهذا المسلسل الطويل من الحروب الذي اختصتنا بلعنتها من دون خلق الله. ولمواجهة الاجيال المحتملة منها؛ لابد لنا من شق طرق اخرى والاستعانة بكل ما يمكن ان يضع حداً لهذه القسمة العاثرة، لا على الصعيد الوطني عبر التسويات التاريخية الشجاعة وحسب بل في مجال التعاطي مع الدول الاخرى عبر النأي عن المحاور الاقليمية والدولية، وانتشال العراق من المخاطر المميتة للخطابات والشعارات الشعبوية وممثليها من الشخصيات المشعوذة والمغامرة، التي تقف دائما خلف هذا النحس العضال الذي يرافقنا منذ أكثر من خمسة عقود. لاجل الخلاص من كل ذلك لابد من تغيير قواعد اللعبة، وغلق كل الدروب والثغرات التي يتسلل من خلالها مثل هذه المخلوقات المتهورة الى المفاصل الحيوية للدولة والمجتمع (كما حصل قبل أكثر من نصف قرن وتكرر بعد التغيير في 2003)، والعمل على اساس المعايير الوطنية والانسانية المجربة التي تضع الانسان المناسب في المكان المناسب بعيداً عن هلوسات العقائد والآيديولوجيات الضيقة، والتي حولتنا دائماً الى مجرد حطب من اجل المعركة..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة