القوة في عالم أكثر صعوبة

بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض
مايكل سينغ

مع فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الاميركية، عاد الجمهوريون لتسلم زمام السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد غيابٍ دام ثماني سنوات. وسوف تعتمد السياسة الخارجية الجديدة للحزب الجمهوري على تفضيلات الرئيس المنتخب بنحو أساسي، إلّا أنّه من الواضح والضروري أنها ستأخذ في عين الاعتبار مخاوف الناخبين والوقائع في الخارج. وما زالت القيادة العالمية للولايات المتحدة أمراً لا غنى عنه للمصالح الاميركية والعالم على حد سواء.
وكان خوف الناخبين من التغيرات المقلقة التي يشهدها العالم من العوامل التي دفعتهم إلى دعم ترامب في المعركة الرئاسية. وقد أظهرت استطلاعات الرأي أنّ المقترعين الجمهوريين يهتمّون بنحو أساسي، إلى جانب الاقتصاد، بموضوعي الإرهاب والسياسة الخارجية – وهما مسألتان مرتبطتان بالعلاقة التي تجمع الولايات المتحدة بالعالم. ولم يخطئ الاميركيين في قلقهم هذا، إذ إن المنافسة في العالم تزداد يوماً بعد يوم، ويضعف بذلك التأثير الاميركي عليه. وعند مقارنة الوضع الحالي بـ»اللحظة الأحادية القطب» التي تميّزت بالتوافقية في أعقاب الحرب الباردة بين التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي، من المرجح أن يكون العصر الجديد أكثر خطورةً وفوضوية وإثارة للجدلية.
ومن المغري بالنسبة للجمهوريين إلقاء لوم هذه التطورات على الرئيس أوباما. فقد تفاقمت الأزمات في عهده واضطربت التحالفات، وغالباً ما بدا أنّه غير مكترثٍ لأمرها. وقد أظهرت استطلاعات الرأي أنّ أكثر من نصف الشعب الاميركي يعارض السياسة الخارجية للرئيس أوباما.
ومن المرجّح أنّ تكون سياسات الرئيس أوباما قد سرّعت الاتجاهات السلبية في المكانة الدولية للولايات المتحدة. إلّا أنّ تصورات الاميركيين لقوة بلادهم ونفوذها لم تتراجع ابتداءاً من عام 2009، بل قبل سنين عديدة من ذلك العام. وهذا يشير إلى أنّه يتعيّن على الحزبين الجمهوري والديمقراطي إعادة التفكير الذاتي، وأنّ المشكلة تتخطى فشل أي سياسة كانت.
ولا تأتي التغيرات العالمية الحالية نتيجة تراجع الولايات المتحدة، بل بروز الدول الأخرى. فالقوة الاقتصادية التي كانت تتركز في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان في السابق، أخذت تفقد مكانتها. وفي الواقع، أصبح «الناتج المحلي الإجمالي» في الصين ينافس ذلك الخاص بالولايات المتحدة، وبحلول منتصف القرن الحالي، سيصبح الاقتصاد الهندي ثالث أضخم اقتصاد في العالم. ويرى «مجلس الاستخبارات الوطني» الاميركي أنّ حصّة الولايات المتحدة من القوة العالمية المتمثلة بالثروة الاقتصادية والقوة العسكرية وما إلى ذلك سوف تتقلص من الربع في أوائل القرن إلى السدس بحلول منتصف القرن.
وتعمد الدول الأخرى إلى تحويل قوتها الاقتصادية المتنامية إلى قوةٍ عسكرية بنحو متزايد. وفي حين لطالما كانت جيوش أخرى، كالصين مثلاً، أكبر من جيش الولايات المتحدة من حيث العديد العسكري، فإن تحديثها المتسارع يشكّل القلق الأكبر اليوم. فقد تكاثرت القدرات العسكرية العصرية كالطائرات المسلحة من دون طيار والذخائر الموجهة بدقة وأنظمة منع الوصول/تحريم الدخول. وتبني الصين اليوم قوةً عسكرية قادرة على مواجهة الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ، والأمر مماثلٌ لروسيا التي أصبحت قادرة على مواجهة الولايات المتحدة.
إضافة إلى ذلك، يواجه النظام الدولي القائم تحدياتٍ متزايدة. وتشهد الديمقراطية تراجعاً منذ عام 2006 نسبةً لعدد الديمقراطيات الانتخابية في العالم ولمستويات الحرية والحريات المدنية على الصعيد العالمي، وذلك بعد أن كان انتشارها التدريجي يبدو محتماً في السابق.
وفي الوقت نفسه، سعت دول أخرى إلى مواجهة الغرب على نحو متزايد بخصوص الحق في تشكيل النظام الدولي. فقد أصبحت الصين وروسيا أكثر صرامةً في تنفيذ مقارباتهما الخاصة للقضايا الراهنة، بدءً من السيطرة على الأراضي في بحر الصين الجنوبي وشبه جزيرة القرم، ووصولاً إلى المنافع المشتركة والقواعد المتعلقة بالتبادل التجاري. حتى أنّ الدول الحليفة للولايات المتحدة، وليس تلك المحايدة فحسب، أصبحت تتوخى الحذر في الانضمام إلى المبادرات الاميركية أو مقاومة مبادرات منافسيها.
ويمكن أن تحافظ الولايات المتحدة على موقعها البارز في العالم. إلّا أنّ ذلك سيتطلّب منها مواجهة هذه التحديات وبلورة سياسة خارجية قادرة على التغلب عليها بدلاً من الأمل في أعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وتبقى قوة الولايات المتحدة ونفوذها هائلين. بيد، لن تتمتع واشنطن مرةً أخرى بالمنافع النسبية التي كانت تملكها بعد الحرب العالمية الثانية أو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ولا يمكنها أن تتوقع أن تحقق استراتيجية التموضع العام أكثر من مجرد تأخير فاتورة حساباتها بالتهديدات والأزمات وفرض شروطٍ لا ترضى بها.
لذلك، من الضروري أن يتم تحديد السياسة الخارجية الاميركية المستقبلية من خلال الاعتراف بأهمية الحفاظ على القوة الاميركية وتوسيعها وتطبيقها بنحو استراتيجي وفعّال في بيئةٍ جيوسياسية أكثر تقييداً وتنافسية. وهذا يعني تخطي مناقشات العقود المنصرمة بين المحافظين الجدد والواقعيين، والتي تركزت بشأن نشر قوة أميركية إضافية والكيفية التي يتم بها ذلك والأهداف التي يراد تحقيقها.
لذلك، من الضروري أن يتم نشر القوة الاميركية، ليس من أجل حل مشكلات دول العالم لمصلحة هذه الأخيرة، بل من أجل التعزيز الواضح لمصالح الولايات المتحدة. وقد تشكّل تأدية دور الوسيط في التوصل إلى حلٍ للمشكلات أو الأزمات الأخرى خارج البلاد استراتيجيةً سليمة في بعض الأحيان، ولكن فقط إذا تفوقت المنافع التي تعود على الولايات المتحدة على التكاليف التي تترتب عن هذه الوساطة.
إلّا أنّ فهم الولايات المتحدة لمصالحها والتركيز عليها لا يعني بالضرورة التخلي عن أسس انخراطها مع العالم بعد الحرب العالمية الثانية، أي القيادة العالمية والتحالفات القوية والمؤسسات الليبرالية، أو عدم تفهّم مصالح الآخرين وأخذها بعين الاعتبار. وقد صبّ النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في مصلحتها، وشكّل إحدى أهم القنوات لنشر السيطرة الاميركية. إنّ نهوض القوى المعارضة دليلٌ على أن هذا النظام في حاجةٍ إلى التحديث والتعزيز وعدم الإهمال، لإنّ النظام الذي حل محله قد يكون أقل مناسباً بكثير بالنسبة للولايات المتحدة. وسوف يكون للتحالفات أهميةً أكبر، وليس أقل، في عصر لن تكون فيه القوة الاميركية هي المسيطرة. وستحتاج واشنطن إلى الحلفاء والشركاء، ليس لمشاركة الأعباء فحسب، بل للاسهام في تحقيق التوازن ومقاومة القوى المتحدية – وهم بدورهم بحاجة إلى الولايات المتحدة.
وباختصار، من الضروري أن تكون السياسة الخارجية الاميركية أكثر تركيزاً وواقعية وكفاءة. ويجب أن تتطابق الغاية مع الوسيلة، وهو أمرٌ لم يتحقق في العراق عام 2003، أو مؤخراً في سوريا وبحر الصين الجنوبي. يتعين على الولايات المتحدة توسيع قدراتها العسكرية والدبلوماسية ودعم دبلوماسيتها بالقوة والعكس بالعكس، وذلك من خلال استعمال الأدوات المتعددة للسياسة العامة بصورة متناسقة وليس بنحو تدريجي. يتعين عليها أيضاً أن تسعى إلى الحد من الأزمات والصراعات، وبالتالي إعادة التأكيد على الردع والتخطيط الاستراتيجي، بدلاً من الانتظار لحل المشكلات عندما تندلع.
وقد أظهرت دراسة جديدة لـ «مجلس شيكاغو للشؤون العالمية» أنّ الاميركيين من جميع الأطراف ما زالوا يؤمنون بالقيادة العالمية للولايات المتحدة. ومع عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض، يتعين عليهم إثبات أهمية [صياغة] سياسةٍ خارجية تضع الولايات المتحدة في موقع القيادة في عالمٍ تزداد فيه التنافسية يوماً بعد يوم.

*مايكل سينغ هو زميل «لين سوينغ» الأقدم والمدير الإداري في معهد واشنطن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة