الفنان دلشاد كوستاني بين نار كركوك الأزلية وحنين الاغتراب

تخليد الضوء في مواجهة الواقع
لندن- محسن الذهبي:

تحكي النصوص البصرية للفنان العراقي المغترب في فرنسا “دلشاد كوستاني” وبروح ذات شفافية عالية وحس بصري جميل، تجربته الجمالية التي تعتمد على معالجة اللون على سطح اللوحة بنحو متميز في تفرده الاسلوبي ، حيث نراه يتجه إلى التزاوج والفيض اللوني ليطرح ببساطة أسطورة فنون الطبيعة الخالية من الفعل الحياتي اليومي، معتمدا على المضمون وقوة الشكل الفني الذي يمتلك الاهمية الاستثنائية، اذ بنى تجربته التشكيلية خلال سنوات الاغتراب التي استمرت اكثر من 12 عاماً على فكرة ايحاءات اللون والغور في اعماقه أكثر فاكثر، الفن عنده ليس هو الواقع المجرد بحد ذاته، لكنه الإيهام في خلق الواقع المبتكر، ولكي يعمق تأثير الشكل في التكوين التشكيلي، فهو يشخص الفضاءات المجردة للتعبير عن الرمز الذي يبدأ من الواقع، ليتجاوزه فيصبح أكثر صفاءا وتجريدا، ولا يصل هذا المستوى التجريدي، إلا بتنقية الرمز من تخوم الواقع وتفصيلاته بنحو لا يبتعد عنه كثيرا .
لقد اتخذ الفنان “دلشاد كوستاني” من اللون وسيلة للتعبير عن القيم الشكلية، فهو عنده يعبر عن جميع النواحي الجمالية المحضة عن طريق التوافق على وفق قانون جمالي من الصعب تحديده، ولكنه مختمر في بصيرته، اذ يجعل المكونات الجزئية، او الصور اللونية منسجمة مع بعضها في تأليف موضوعي، وحبكة متجانسه في كل مكونات العمل الفني، فيمازج بين الالوان الهادئة والصارخة مزجا اقرب ما يكون الى سريالية الذاكرة المفتقدة الى التباين، لتتماهى الألوان، وتتنوع سمات بروزها في لوحات الفنان التشكيلية، مما يخلق حوارا لونيا أخاذا تمخض عنه حالات صورية تجريدية ابعد ما تكون عن التشخيصية، فكل لون في اعماله يحاول طرح نفسه بنحو ايجابي، و بقوة الى جانب اللون الآخر، وهذه هي اللعبة التي اجتهد في خلقها الفنان، وهي لعبة التجاور اللوني وتمازجه والتي اراد بها أن يعبر باللون عن عاطفة الإنسان المتمثلة بتشكيل تجريدي، يفتش من خلاله عن علاقة جديدة تفك بها رموز الوعي المغلقة أمام ذاته كفنان وكمبدع يعيد صياغة الاشياء، كي تظهر هذه العلاقة واضحة وجميلة، تنقلها من صورتها المغلقة البعيدة، الغنائية، ويستحضرها – مثل ساحر- إلى وجود محسوس ومن اجل ان تدخل المتعة في نفس المتلقي.
ان اعمال الفنان “دلشاد كوستاني” تأخذنا نحو عالم التجريد الموسيقي الذي يتحرر من القيود، ويبتعد عن الفنون الروتينية التقليدية، تعلم ذلك بالتجربة، فهو لم يدرس الفن دراسة اكاديمية، بل استدل بوعيه الفطري التجريبي على قدرة الفنان على الابتكار، وجد ان هذا الأسلوب من أساليب الإبداع التشكيلي المتعددة الرؤية، سيوغل في إشباع العين قبل العقل، ونكتشف زوايا متجددة مع كل مرور على تلك الأعمال مع ما يسبقها من تساؤلات في إضفائه الإيحاء اللوني، فألبس جميع أعماله الفنية تقريبا لباس الدهشة اللونية الغرائبية كي تشكل عمقا فنيا، ودراية عالية بحرفة الفن، وأدوات خلقه الأساسية.
هناك إنحباسات ضوئية تناشدنا بتناغمها اللوني فهي أشبه بالإيقاع السيمفوني، تناشد العالم الاقلاع عن دائرة الحواجز، لذا هو رحل بعيدا وحشد كل ضربات فرشاته، وفتح فجوات كثيرة على سطوح لوحاته، ليحمل طلاسم المجهول والمسكون في ذاكرته الجميلة، المثقلة بالعفوية والبراءة الرائعة، ومن ثم ينقل كل هذا الكمّ المسكوت عنه من تأملات زمكانية واستذكارات طفولية.
كل هذه الدلالات وزّعها على سطوح لوحاته ليخلق دهشة بصرية، ليضع المتلقي أخيرا أمام حزم ضوئية منبعثة من تراكمات في ذاكرة الفنان وقعا فنيا رائعا، ان علماء الجمال يؤكدون بعدم ضرورة التزام الفنان بمحاكات الواقع المألوف، بل يحصرون مهمته في ايجاد الاثارة والتأمل من خلال توليد معاني جديدة للواقع بإعادة صياغته على وفق نسق جمالي مبتكر لذا نجد ان جهود الفنان انصبت على مزج ألالوان الهادئة والصارخة والتي لن تفقد بريقها وتبقى مؤثرة في النفس فلا يستطيع المتلقي تجاوزها بيسر، بل تترك أثرا واضحا في الذاكرة، و تأثيرا على نفس وروح المتلقي.
لقد عرضت لوحاته التجريدية في اشهر الصالات الفرنسية والتي تتضمن رموزا معينة رغب في ايصالها للمتلقي، فحاز على مجموعة من الجوائز العالمية، وحصد الذهب والفضة في مشاركاته الفنية في العديد من عواصم العالم من اليابان الى كوريا الجنوبية، ولعل استقبال الرئيس الفرنسي له وتكريمه دليلاً على قيمة هذا الفنان العالمي، الذي شارك في اكثر من خمسين معرضاً في فرنسا وحدها، واقام اكثر من خمسة عشر معرضاً شخصياً فيها وكذلك اسس لقاعة ديوليت للفنون التشكيلية في احد اهم المدن الفرنسية .
اننا نرى ان أغلب اللوحات التي ركز فيها الفنان على الألوان المتعددة، ما هي الا حالات تراكمية لمجموعة من المناخات التي عاشها في أماكن طفولته في مدينة كركوك العراقية حيث النار الازلية والالتصاق بالأرض والتراب، وموروث العادات التقاليد، فقد بدأ حياته هناك شاعرا يتغنى بالجمال ثم استهواه الطرب فتغنى بحب الوطن والطبيعة، لكنه لم يجد نفسه الا حين امسك بالفرشاة وراح يجد لنفسه طريقا للتعبير من خلال الالوان، لتكون لوحاته مستوحاة من الحياة والطبيعة وما يدور حولها ويلفت نظره، او يثير اهتمامه ممزوجا بأحلامه وخيالاته الخاصة.
ان الفنان “دلشاد كوستاني” لا يستجيب الا لصوت الابداع الداخلي الذي يسكنه كمبدع يحاول طرح رؤاه الجمالية التي لا تنفلت في خروجها من عالم الذات إلى فضاء اللوحة المفتوح على مديات واسعة من التأويلات التي حاول التعبير عنها بغموض مقصود ليجسد رموزا معينة بأبعاد تجريدية يتطابق فيها البعد الأثيري مع شكل الكتلة ليبقى صوتا تشكيليا عراقيا متميزا يشع في اجواء المنفى .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة