السعودية.. ماذا بعد؟ (1) التخبط

لم يكن السقوط المدوي لمهنية وسمعة صحيفة «الشرق الاوسط» السعودية بنشرها تقريراً عن العراق تنقصه معايير الاخلاق والحرفة والامانة إلا واحدة من امثلة التخبط الذي تتسم به المواقف السعودية من احداث وشؤون المنطقة العربية وقد بلغ هذا التخبط من الاتساع والضحالة بحيث لم يعد بامكان «اصدقاء» المملكة ورعاتها الذين تستروا على نظامها التوتاليتاري طوال قرن من الزمان الاستمرار في الدفاع عنه والتزام حمايته وكفّه عن العقاب، الامر الذي دفع اشهر كاتب بريطاني هو «ديفيد هيرست» المعروف باحتفاظه بصندوق الاسرار الخليجية الى ان يكتب مقالا اعطاه عنوان «السعودية تحصد ما زرعت» واستهله بتسمية علامات العد التنازلي لهيبة ومكانة وتماسك نظام العائلة وهي «هدر الفرص وارتكاب ما لا يحصى من الخطايا».
وعدّ الكثير من المحللين، بمن فيهم سعوديين وخليجيين، انحدار الصحيفة الشنيع بتلفيق رواية لا اساس لها من الصحة عن «حالات حمل غير شرعي لنساء عراقيات خلال مشاركتهن في زيارة الاربعين الحسينية» بمنزلة سقوط مهني عمّق طابعه الاستفزازي حين نسب الى «منظمة الصحة العالمية» شهادة مزورة لتدعيم هذه الرواية، وسرعان ما سقطت الفرضية البائسة من ان الامر مجرد «خطأ» ارتكبه مراسل للصحيفة في العراق، فقد اتضح ان «مطبخ» الصحيفة في لندن الموصول بمراكز قوى سياسية في المملكة تولى بناء اركان هذه الرواية، التي اريد منها ان تكون رسالة اخرى (جنب رسائل كثيرة) الى العراق ما اضطر اصحاب الرسالة الى محاولة تدارك الفضيحة بتغيير محرر وناشر الصحيفة المسؤول.
الى ذلك فان اكثر المراقبين حيادية لم يعد ما نشرته صحيفة الشرق الاوسط مقطوعاً عن «الانواء السياسية» الملبدة والمضطربة في ادارة المملكة، ويشار بهذا الصدد الى تأثير التشريع الذي اقره مجلس النواب الاميركي في التاسع من ايلول الماضي والذي وصف بـ «الزلزال» وذلك بالسماح لأسر ضحايا هجوم 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة الحكومة السعودية على الأضرار التي لحقت بهم، ثم في ما بعد، تعطيل حق الرئيس الاميركي بنقض هذا التشريع ما عد خطوة كبيرة في العد التنازلي لمكانة المملكة العربية السعودية في منظومات الحماية الغربية، يضاف الى ذلك سلسلة التصريحات من واشنطن ولندن وبون بانتقاد الطريقة التي تعالج فيها المملكة مشكلة الصراع في اليمن.
والحال، فانه، في ما يتعلق بالعراق والعلاقات بين بغداد والرياض، لا يصح ان نقلل من مقدمات وتداعيات «منشور» صحيفة الشرق الاوسط، فالخروج عن اللياقة والتزامات المهنة مسبوقة بخروج سفير المملكة في بغداد ثامر السبهان «المطرود» عن ابسط تعريفات اللياقة الدبلوماسية ولوازم احترام الجيرة والشراكة في الجغرافيا.. وللسبهان رواية مسلية «متخبطة» عن محاولة اغتياله في بغداد، واتضح لاحقا انه لم يكن آنذاك في بغداد اصلا.
***********
شوبنهاور:
«يمكن للمرء أن يفعل ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يريد ما يشاء».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة