محاكم التفتيش الأوروبية و»داعش»

القسم الخامس
د. ناجي الفتلاوي

* الأثر الثاني : اسس اصول معالجة اللامعيارية واللاعهدية التي يبثها بين المسلمين السفسطائيون واهل الكلام والتي نشرت وباء تفشي اللامسؤولية والاتكالية .
ــ مناقشة الاثر : هذا الاثر تريد داعش ومن يشاركها دفع المتابع الى مفهوم الجهاد المحمول من قبلهم واعطاءه (اي المتابع) انطباعاً يقوم على اساس قيام وعي نهضوي اسلامي تقوده داعش , والذي فاتها (اي داعش) ان العودة الى حالة الوعي الاسلامية لا تتم بالدعوة الى الجهاد كما تراه هي , لان المسلمين يحتاجون الى نهضة افقية تتم بهدم آثار الحالة التي وصل اليها المسلمون بعد سبعة قرون من ولادة الاسلام , حيث حل التدوين محل التأليف والذاكرة محل العقل ما اوجد التكرارات والشروحات المملة لما وصل الينا من منجز اسلامي ابدعته العقول الاسلامية في القرون الماضية , لذا ما يُخرج المسلمين من وباء اللامسؤولية والاتكالية ليس الجهاد الداعشي بل هي نهضة شاملة تنبع من الداخل الاسلامي لا من خارجه .
* الاثر الثالث : اسس معايير فقه الاستقلال والاصالة الذي بعث الثقة بقدرة المجاهدين على التغيير في الامة وكافح فقه التبعية والتقليد الذي يدعو الى الذلة ومسخ العزة .
ــ مناقشة الاثر : من الثابت ان الدعوة الى التغيير موجودة في حيثيات الديانة الاسلامية الداعية الى التجديد , وهي بذلك تستند الى دستورها الامثل (القرآن الكريم) , فالقرآن نفسه متجدد مع الازمنة , وعندما سُئل الامام الصادق (ع) ما بال هذا القرآن لا يزداد عند النشر والدرس الا غضاضة , اجاب الامام (ع) لان الله لم يجعله لزمان من دون زمان ولا لقوم من دون قوم فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض الى يوم القيامة , يتضح من هذا ان القدرة على التجديد ضرورة ثابتة في اساسيات الدين الاسلامي ومن خلالها يتم انفتاح المسلمين على الاخرين من دون المساس بقدسية الثابت العقائدي , ولننظر الان متسائلين :
هل ان الجهاد الداعشي يحقق القدرة على التجديد ام العكوف على القديم مع فهمه السيء ؟
وكيف تتحقق قدرة التجديد لديه؟
هل تتحقق بالفتاوى الشكلية القاضية بلبس النساء للنقاب وعزلهن واستغلالهن في جهاد النكاح وضرب رقاب المدخنين وعدم النظر الى مباريات كرة القدم ؟
ام ان القدرة على التجديد تتم بالتمازج الكبير بين الافكار والطروحات التي من شأنها بناء الانسان وعلى مستوى جميع الثقافات والحضارات والاديان المحمولة في العالم .
* الاثر الرابع : صارع نزعة استحواذ علماء السلاطين على توجيه الراي العام وتسهيلهم قيادته من قبل الطواغيت .
ــ مناقشة الاثر : وقائع الاحداث تشير الى عكس ما ذكر في هذا الاثر , فالجهود الداعشية تعمل على القيام بتنفيذ الفتاوى الصادرة من الحكومات الراعية للارهاب , وهي معلومة للقاصي والداني , ولا اريد الاطالة في مناقشة هذا الاثر لوضوح بطلانه ؟
* الاثر الخامس : عالج ثغرات القيم التي جاءت بها النظريات الحزبية فادت نظرياتهم الى توهين تماسك المجتمع الاسلامي او ثلمته .
ــ مناقشة الاثر : سنعتمد في هذه المناقشة على ذكر آخر الاحصائيات الكاشفة عن اعداد المشردين والنازحين والمهجرين في العراق وسوريا بفعل الهجمات الداعشية التي تحمل فضلا عن قسوتها قيما باطلة ادت الى تفكيك بنية المجتمع الاسلامي , بلغ عدد النازحين بعد دخول داعش الى الموصل اكثر من مليون وثمانمائة مواطن عراقي نازح ومهجر , وبلغ عدد المهجرين واللاجئين في سوريا اكثر من ثلاثة ملايين .
هذه بعض الاثار التي وردت في كتاب (حقيقة الجهاد في العراق) والبقية لم اقف عندها لهزالها الواضح .
* كلام في العنف الداعشي:
العنف آفة خطيرة ومرض عضال اصاب كل المجتمعات البشرية وهو نتيجة غلو في عقيدة او نظرية او رؤية او رأي او تصنيم لشخص او جهة ما , وبالتالي يُفسد على هذه المجتمعات حياتها وعقائدها ويوردها مورد الهلاك , كما في الحياة الدموية بعد انطلاق العنف في عهد محاكم التفتيش وايضاً كما في الحياة الدموية بعد انطلاق السلوكيات الداعشية العنيفة المتطرفة في المناطق التي سيطرت عليها ضمن سوريا والعراق .
لا شك ان العنف لا ينمو ولا ينتشر الا في الاوساط الجاهلة والمتخلفة ولذلك فان عوام الناس وجهالهم هم المادة الرئيسة والرجالات الحقيقيون لهذا المرض الخطير , فاذا حضر العنف في مجتمع ما فهذا يعني حضور محركاته , والمحرك الرئيس هو الغلو والغلو ينبع من الجهل ويختفي في الاوساط التي تعتمد الحجة والدليل والبرهان و لذا عندما نجد ان العنف هو الثقافة المعتمدة لدى داعش فيعني حصة الدليل والبرهان ودحض الحجة بالحجة قليل ومظاهر العنف الداعشي اكثر مما تعد وتوصف ( قتل بالرصاص , ذبح بالسيف , سبي , جلد , تهجير , مصادرة اموال , استباحة اعراض , هدم دور عبادة , نسف اضرحة انبياء واولياء ..ز الخ) .
والناظر الى امثلة العنف هذه يستشف ما يلي :
* تجذر التخلف الحضاري والثقافي لدى داعش .
* تحول العنف لدى داعش الى عقيدة وانتماء , بمعنى آخر تحوله الى مذهب ونظرية وايديولوجيا .
* اسباب العنف عند داعش :
– السبب النفسي والعاطفي : ان من طبائع الانسان , المادية , وهي التي اوجدت فيه هذا النزوع نحو التصنيم , ولذلك بُعث الانبياء بشرائع عديدة من اجل احداث التوازن والارتقاء الى مستويات عالية من الوعي السلوكي والوعي المدرك لما حوله , فالمؤثرات المادية المنحرفة جعلت من رموز التسنن الاموي (ابن تيمية ــ الرمز الفقهي , محمد بن عبد الوهاب ـ الرمز التابع للرمز الفقهي) رموزاً مجسدة تمثل القيم المقدسة ويُصبح المريد لهما ميالا الى التفاعل معهما الى حد التصنيم ورفض كل ما ورد وصدر من المنظومات والمذاهب الفقهية الاخرى .
– السبب السياسي : قلنا في موضع سابق ان الاسلام الاموي اخفض ربقة الشريعة لصالح السياسة والسياسيين , لذا نجد الكثير من الرؤى والمسارات الفقهية رسمت لأسباب سياسية وهذه المسارات الفقهية اصبحت طريقاً يُمشى فيه ويعبد للقادمين من عمق المستقبل حتى بات فقهاً يعتد به ويعد من المسلمات والثوابت التي يشكل الخروج عنها خروجا عن الدين .
* داعش وليدة انحراف المؤسسات الثلاث (السياسية, الاجتماعية, الدينية):
اذا تضافرت جهود الجهل والانحراف والظلم , فماذا ستكون المحصلة ؟ لا شك المحصلة هي لا علم ولا استقامة ولا عدل , لذا وبلا غلو نستطيع القول ان تضافر جهود المؤسسة الاجتماعية الجاهلة والمؤسسة الدينية المنحرفة والمؤسسة السياسية الظالمة , قد انتج للوجود مناخات راعية لكيانات منحرفة الوجود والتشكل , ومنها ما يسمى (داعش) وللتفصيل اقول :
ــ داعش نتيجة الاسلام الاموي المنحرف :
قبل ان ادخل في تفاصيل هذه النقطة ادعو القارئ للتمييز بين نوعيين من الفقه الاول الملتصق بعهد النبي (الراشدي) والذي هو قريب الى حقيقة التسنن الاصيل , والاخر الفقه (الاموي) المنحرف عن الفقه الاول والذي لا يقره مسلم متدين يرى الامور بعين الانصاف والتقصي .
لقد انتجت لنا السلطة الاموية فقها في كثير من مفاصله يُخضع الدين للسياسة وبالتالي نرى في تاريخه قد نصبت الكثير من المشانق للأبطال , والبطال هنا ليست لديهم خوارق جسدية ضخمة وقدرة عالية بالضرب بالسيف والطعن بالرمح في ساحات الميدان , بل تكمن بطولتهم في المطالبة بالحقوق والعيش الآمن واطلاق التوصيفات الواقعية لما يعيشونه تحت اجواء تلك السياسات الظالمة نتيجة للتحالف بين السياسو والدين , تحالف الحاكم الظالم مع رجل الدين المنحرف , وبالتالي جرت العديد من الامور مجرى الشريعة على الرغم من انها لا تعد لا من قريب ولا من بعيد ذات صلة باصل الشريعة , لذا نجد النشاطات التالية الصادرة منها والتي كان لها جور في تغيير المثير من المفاهيم , منها :
التقول على لسان النبي (ص) بوضع احاديث لم يقلها النبي ونتج عن ذلك وجود بُنى فقهية وفقاً لهذه الاحاديث الموضوعة , وعليك ان تتصور حجم الضرر الكبير الناتج عن هكذا اسلوب .
تعمد الحكام الامويين في اخفاء مناقب ومكانة كل من تختلف معهم بالرأي ومحاولة تشويه سمعتهم , وحصل هذا للكثير من رجالات الدولة الاسلامية وهي من الوضوح ما يجعلني لا اذكرها.
تعمدهم طمس الوعي العقائدي الصحيح القائم على اساس رسم علاقات صحيحة بين الانسان وربه وبين الانسان واخيه الانسان وبين الانسان ومحيطه , فاذا انطلق هذا الوعي واقصد به العقائدي بنحو صحيح فانه يعد اساساً لكل انواع الوعي الاخرى , الاخلاقي والسياسي والتربوي والاجتماعي , فالوعي العقائدي لا شك يعتبر محركا لعجلة التاريخ والنبراس الاول لحركة التغيير عند مجمل المجتمعات .
وفي كل الاحوال لا يمكن ان تكون (داعش) مستندة الى وعي عقائدي يشدها الى الشريعة الحقة بل هي من مصاديق الفقه الاموي مع زيادة في التطرف .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة