تعقيدات النظم الانتخابية، النظام الأميركي مثالاً

لست خبيراً بالشؤون الاميركية، لكننا درسنا النظام الانتخابي الاميريكي في «المعهد الدولي للادارة العامة» في باريس (١٩٦٨-١٩٧٠) في دراسة الماجستير. وقال الاستاذ المحاضر عند شرحه انه من اكثر النظم الانتخابية تعقيداً، برغم ان النظم الاخرى لا تخلو من تعقيدات.. وان المقبولية ليس بالمكتوب على الورق، بل باعتياد الجمهور عليها، والقبول بآلياتها. وللاسف الشديد، لا يدرك كثيرون، عندنا، هذه الحقيقة عند تناول نظامنا الانتخابي. فلو استعرنا النظام الالماني (والتركي) ونسبة الـ(٥-١٠٪) التي تطرد من المنافسة من لا يعبرها، لاحتج البعض بأن هذا يطرد المستقلين والاحزاب الصغيرة. ولو استعرنا النظام الفرنسي الذي يجري انتخابات مستقلة للرئيس واخرى للجمعية الوطنية، لاحتج البعض باحتمال قيام سلطتين متضادتين، عندما يأتي الرئيس من «اليمين او اليسار»، والجمعية الوطنية من الجهة الاخرى.. ولو استعرنا نظاماً يعتمد انتخاب الاشخاص ويجزئ المناطق لاحتج البعض باضعاف الاحزاب، وتفتيت مجلس النواب، وتجزئة وطنية السلطة التشريعية، وهلم جرّا. تسعى النظم لمعالجة ثغراتها تدريجياً، فلا وجود لنظام مثالي. والمؤكد ان قوة النظام الانتخابي اساساً هي باستقراره والقبول به، وبنتائجه وبالجهة الذي تنظمه. اكتب هذه الكلمات، وانا اتشرف بالزيارة مع ملايين الزاحفين نحو ابي الاحرار الحسين عليه السلام، الذي يجب ان يعد من اشرف واعظم من قدم دمه دفاعاً عن حق الشعوب، ورفض البيعة لحاكم جائر، التي هي (البيعة) شكل من اشكال التعاقد مع الحاكم، يبايعه الناس واصحاب الشأن. وهذا اساس مهم للديمقراطية المعاصرة. فيقول المستشرق «برنارد لويس»، بان الغرب اخطأ بفرض الديمقراطية بشكلها الغربي على المسلمين، وكان يجب استثمار فكرة التعاقد التي هي اساس الديمقراطية، والمترسخة في معتقدات المسلمين. اما النظام الانتخابي الاميركي فهذه اشارات ليس الا:
1. فيدرالية النظام الاميركي. بمعنى آخر ان هناك اموراً دستورية اتحادية عامة.. لكن بجانبها، لكل ولاية نظام انتخابي قد يختلف من حيث الناخبين وسجل الناخبين والسماح بالتصويت المبكر من عدمه، الخ. وتستعمل اكثر الولايات «الاعلى يفوز first-past-the post «.. او «نظام الدورتين two-round system»، فاذا لم يحصل المرشح على العدد المطلوب فان الانتخابات تعاد للمرشحين الاثنين الاعلى في الولاية.. ومنذ عقد تقريباً تبنت بعض المناطق «نظام الازاحة المباشرة instant-runoff voting» حيث يُسمح للناخب ترتيب اولوياته في ورقة التصويت. فاذا حصل مرشح على النصف يعتبر فائزاً، بخلافه يطرد من المنافسة المرشح الاخير، ويعاد توزيع اصواته على المرشحين الاخرين الموجودين في ورقة التصويت، وهكذا الى ان يحصل احدهم على اكثر من النصف.
2. انتخاب رئيس الدولة هو انتخاب للسلطة التنفيذية مباشرة.. لذلك يسمى بالنظام الرئاسي. فعندما ينتخب الرئيس فهو من يختار «سكرتيريه»، الذين يعد الواحد منهم بمنزلة الوزير.. فيسمى «سكرتير الدولة» أي وزير الخارجية، و»سكرتير الدفاع» أي وزير الدفاع، الخ.
3. لا يتم انتخاب الرئيس مباشرة، بل ينتخب الناخبون «مندوبين» Electoral College يمثلون المرشح.. ولكل ولاية عدد من المندوبين، حسب عدد ممثلي كل ولاية في الكونغرس (الشيوخ والنواب). فـ»ارزونا» مثلاً، لها ١١ مندوباً و»كولارادو» لها ٩ مندوبين. والمبدأ هو «خذ الجميع»، فلا عبرة بالاصوات حسب المقاطعات، بل بمن يفوز بـ٢٧٠ مندوباً واكثر من مجموع ٥٣٨ مندوباً.. لذلك فازت «كلينتون» بمجموع اصوات الناخبين وطنياً، لكن «ترامب» فاز بـ ٢٩٠ مندوباً. واذا لم يحصل اي من المرشحين على ٢٧٠ مندوباً (حصلت مرة واحدة عام ١٨٢٤) فان مجلس النواب يختار من المرشحين الثلاثة الاوائل، رئيساً.. ويختار مجلس الشيوخ نائب الرئيس من بين المرشحين الاثنين الاوائل.
4. تجري انتخابات الرئاسة في يوم واحد، كما ينص الدستور، ويمكن لانتخابات الكونغرس ان تجري في اوقات مختلفة وكل عامين لتجديد ثلث الاعضاء Midterm eclections. وجرت العادة ان تجري كل ٤ سنوات زوجية انتخابات الرئاسة، مع الانتخابات الجزئية للكونغرس في اول ثلاثاء من شهر تشرين الثاني.
هذه بعض الاشارات، والنظام معقد، وتفاصيله كثيرة.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة