أميركا بعد 11 أيلول والأزمة الكوكبية

القسم الثاني
ادوارد سعيد
لم يشر ليبراليو الصقور الى الحق المسيحي ( المماثل جداً للتطرف الاسلامي في حماسته واستقامته ) وحضور الهائل والحاسم في الولايات المتحدة رؤيته تنبع من مصادر العهد القديم، مثل الحق الاسرائيلي تماماً شريكه القوي ونظيره. هناك تحالف فريد بين المحافظين الجدد المؤثرين الاسرائيليين المؤيدين للولايات المتحدة وبين المتطرفين المسيحيين، المؤيدين الصهيونية كأسلوب لجلب كل اليهود الى الاراضي المقدسة كي يعدوا لقدوم المسيح الثاني، حينها على اليهود اما ان ينقلبوا الى المسيحية او يبادوا. لكن قلما يشار الى هذه الغائيات اللاسامية الضارة، وبالتأكيد ليس من الكتيبة اليهودية المؤيدة لاسرائيل.
الولايات المتحدة هي البلاد الاكثر تديناً في العالم. الاشارات للرب تخترق الحياة الوطينة، من العملة الى الابنية: بالرب نثقن بلاد الرب، بارك الله اميركا. قاعدة سلطة الرئيس بوش مكونة من 60 ال 70 مليوناً من المتشددين المسيحيين، الذين يعتقدون مثله بأنهم رأوا المسيح وأنهم يقومون بعمل الرب في ارض الرب. بعض المعلقين ومنهم ( فرانسيس فوكوياما) جادل بأن الدين المعاصر في الولايات المتحدة هو نتيجة الرغبة بالتجمع والتشارك والشعور بالاستقرار وذلك مبني على حقيقة ان نحو 20% من السكان ينتقلون من بيت الى بيت آخر بنحو دائم. لكن ذلك صحيح الى حد ما: الاكثر اهمية هو طبيعة الدين – ان يكون تنوير نبوي وقناعة لا تهتز بشعور رؤيوي بالمهمة وتجاهل تام للتعقيدات الصغيرة. المسافة الطبيعية الهائلة التي تفصل الولايات المتحدة عن بقية العالم المضطرب كما هو الواقع في الجارتين كندا والمكسيك اللتين ليست لهما القدرة على تلطيف وضبط التعصب الديني للولايات المتحدة.
تتجمع كل هذه الاشياء حول مفهوم حق الولايات المتحدة وطيبتها وحريتها ونجاحها الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وتحبك جيداً في الحياة اليومية بحيث تبدو واقعاً طبيعياً وليس مجرد ايديولوجية. الولايات المتحدة مساوية للطيبة والطيبة تتطلب الولاء التام للولايات المتحدة وحبها. هناك تبجيل غير مشروط للاباء المؤسسين، وللدستور – وثيقة مذهلة مجرد ابتداع بشري. اميركا السابقة المرسى الموثوقية والاصالة.
في بلاد أخرى اعرف ان التلويح بعلم يلعب دوراً ايقونياً مركزيا جداً. لكن هنا تراه في كل مكان عربات الاجرة وعلى طية السترات وعلى النوافذ والسقوف الامامية للبيوت. انه تجسيد للصورة الوطنية ترمز الى طاقة تحمل بطولية وشعور بأنك مطوق من قبل اعداء غير جديرين تبقى الوطنية الفضيلة الاولى، المربوطة بالدين، تلائم، وتفعل الشيء الصحيح في الوطن وفي كل انحاء العالم. كما يجري تصوير الوطنية الان ايضاً كمستهلك منفق: امر الاميركيون بعد 11 ايلول ان يتسوقوا تحديداً للارهابيين الاشرار.
استغل (بوش ودونالد رامسفيلد وكولن باول وكوندو ليزارايس وجون اشكروفت) تلك الوطنية ليحشدوا الجيش لحرب تبعد 7000 ميل عن الوطن ( للتغلب على صدام). وراء كل هذا آلة الرأسمالية، التي تعاني الان من تغيير جذري غير من عدم الاستقرار الاقتصادي ( جولي شكور) بين الاميركيين الان يعملون ساعات عمل اكثر مما كانوا قبل ثلاثة عقود، ويكسبون نقوداً اقل نسبياً لكن ليس هناك تحد سياسي لعقائد ( فرص السوق الحرة) . وليس هناك من يهتم ان كان المركب متحد بالتحالف مع الحكومة الفيدرالية التي ما زالت عاجزة بأن تقدم لأغلب الاميركيين غطاء صحيحاً كريماً وتعليمياً صحيحاً. يحتاج الى تغيير انباء سوق الاسهم اكثر اهمية من أي اعادة استجواب للنظام.
هذا الايجاز الفج للاجماع الاميركي،الذي استغلة السياسيون ويسطوه في شعارات وطعوم طنانة. لكن ما يكشفه المرء عن هذا المجتمع المعقد هو كيف تصب هذه التيارات الكثيرة معاً لتلتقي في اجماع دائم المقاومة المتنامية للحرب التي قلصها الرئيس وتظاهر بتجاهلها وحاول الرسميون في الولايات المتحدة والتيار السائد في وسائل الاعلام ( الجرائد وشبكات البث وصناعة النشر والمجلات) ان تخمدها. لم يحدث من قبل مثل هذا التواطؤ المخزي والوقح بين البث الاخباري والحكومة ابداً: والصحف وال(c.n.n) واحاديث الشبكات عن شرور صدام وكيف علينا ان نوقفه قبل فوات الاوان. امتلأت موجات الاثير بالرجال العسكريين السابقين، وخبراء الارهاب ومحللي سياسة الشرق الاوسط الذين لا يعرفون أي دراسة متعلقة ولم يذهبوا الى الشرق الاوسط ابداً وثقافتهم الناقصة التي لا تؤهلهم ليكونوا خبراء في أي مجال، يناقشون في رطانة طقوسية عن الحاجة الى فعل شيء ضد العراق، ويعدوننا لوضع اشرطة لاصقة على نوافذنا ضد هجمات الغاز السام.
يعمل الاجماع في حاضر سرمدي لانه مدبر. التاريخ محرم بالنسبة له. في نقاشات الشعبية حتى كلمة تاريخ مرادفاً للفراغ او للتفاهة، كما يبدو العبارة المستهجنة ( انت تاريخ). التاريخ بالنسبة لنا كأميركيين ماهو مفترض بنا ان نصدقه عن الولايات المتحدة من دون نقد ومن دون سياق تاريخي ( وليس عن بقية العالم، القديم وبالتالي غير لازم).
هنا تناقض مذهل. في العقل الشعبي، المفروض ان تقف الولايات المتحدة فوق التاريخ. لكن هناك اهتمام قوي عام في الولايات المتحدة بتاريخ كل شيء من المواضيع الاقليمية الصغيرة الى امبراطوريات العالم. لقد تطورت طوائف دينية كثيرة من هذه التناقضات المتوازنة من ارهاب الاجانب الى تحضير الارواح والتقمص. منذ عقد مضى اشتعلت معركة ثقافية حول نوعية التاريخ الذي يجب ان يعلم في مدارس الولايات المتحدة. اعتقد متعهدو الفكرة التي ترى بأن تاريخ الولايات المتحدة عبارة عن اخبار وقصص موحدة مع افكار طنانة ايجابية، بأن التاريخ اساسي للياقة الايديولوجية في الادارات التي تقولب الطلاب وتحولهم الى مواطنين مطيعين، جاهزين لتقبل مواضيع محددة اساسية مثل الثوابت في علاقات الولايات المتحدة مع نفسها ومع العالم. من هذه النظرة وجب تطهير التاريخ من عناصر بعد الحداثة والتاريخ الشقاقي (الاقليات والنساء والعبيد). لكن النتيجة كانت فشلاً مجلجلاً في فرض مثل هذه المعايير المضحكة.
كتبت (ليندا سيموكس) ان مقاربة المحافظين للمعرفة الثقافية كانت محاولة خفية لغرس نظرة تاريخية خيالية من الصراعات نسبياً وتوافقية في اذهان الطلاب.
لكن المشروع انتهى الى التحويل الى الاتجاه الاخر. وعلى ايدي المؤرخين الاجتماعيين والعالميين، الذين كتبوا مع المعلمين المعايير التي اصبحت الحامل لنظرة تعددية حاولت الحكومة محاربتها . لكن المؤرخين الذين شعروا ان العدالة الاجتماعية واعادة توزيع السلطة يحتاجان الى رواية اكثر تعقيداً تحدوا ذلك.
في المجال العام الذي تترأسه الاعلام العامة السائدة هناك ما سأسمية (مواضيع اخبارية) تلك التركيبة، تلف وتسطير على النقاش، برغم ظهور التنوع والاختلاف. سأناقش تلك التي لفتت انتباهي كأشياء متعلقة بالموضوع الان: احدها هناك كلمة نحن الجامعة، الهوية الوطنية التي يصرح بها من دون اعتراض الرئيس ووزير الخارجية في الامم المتحدة والقوات المسلحة في صحراء ومصالح ( نا) كدفاع عن النفس من دون دافع خفي و( بريء) كما يفترض بالمرأه التقليدية ان تكون بريئة طاهرة وبلا اثم.
موضوع اخباري آخر هو عدم الزامية التاريخ وعدم القبول بأي روابط غير شرعية: مثلاً أي ذكر للولايات المتحدة بأنها سلحت وشجعت صدام حسين واسامة بن لادن سابقاً او ان الفيتنام كانت (سيئة) للولايات المتحدة او كما قال الرئيس جيمي كارتر مرة( تدمير ذاتي متبادل) مثال آخر صاعق: عدم لزوم المشروع لتجربتين اساسيتين ومهمتين للولايات المتحدة وهما استبعاد الاميركيين الافارقة وطرد وابادة الاميركيين الاصليين تقريباً. لم تدرجا في تاريخ الاجماع بعد.
هناك متحف رئيسي للهلوكست في واشنطن ( دي س) لكن ليس هناك مثل هذا النصب التذكاري للاميركيين الافارقة او الاميركيين الاصليين في أي مكان في هذه البلاد.
ثم هناك القناعة غير المدروسة التي تعد أي معارضة معادية للاميركيين مبينة على الغيرة من ديمقراطية (نا) وحرية(نا) وثروت(نا) وعظمت(نا) او حقارة اجنبية (كهاجس مثل المقاومة الفرنسية لحرب الولايات المتحدة ضد العراق). يتم تذكير الاوروبيين دائماً كيف الولايات انقذتهم مرتين في القرن العشرين مع التلميح الى ان الاوربيين يقفون متفرجين بينما جنود الولايات المتحدة يقاتلون قتالاً حقيقياً.

*مفكر فلسطيني وحامل للجنسية الأميركية وكان أستاذاً جامعياً للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة