تسوية بلا مقوّمات

تزامناً والتقدم الحاصل في الجبهة العسكرية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، نشطت الطبقة السياسية التي ادارت دفة الامور بعد زوال النظام المباد، متمثلة بكتلة (التحالف الوطني) صاحبة غالبية المقاعد في البرلمان العراقي، لتقدم مبادرتها للتسوية التاريخية لمرحلة ما بعد داعش وتحرير آخر المدن العراقية. نص المبادرة المسرب لوسائل الاعلام، يتضمن حزمة من الابواب والفقرات التي تذكرنا بما حشر بين طيات وصفحات الدستور العراقي، الذي جمع بقدرة قادر بين الشيء وضده من دون وجع من قلب او ضمير. نسخة اخرى من ابتكارات هذه الطبقة السياسية، التي لا تكف عن المناورة واهدار الفرص التاريخية، خدمة لمصالحها الفئوية والعقائدية الضيقة. التناقضات والهشاشة واللف والدوران والديباجات المملة، لا تحتاج الى جهد كبير كي يتعرف عليها المتابع المنصف لهذه الوثيقة الجديدة. لكن والحق يقال فان القوم هذه المرة ابدوا تواضعا وتنازلاً للمجتمع الدولي، عندما وافقوا على منح بعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي) دوراً لتقديم (جهة سياسية سنية موحدة) تحظى بمباركة “بلاد العرب اوطاني من تطوان لبغدان” للتوقيع على الوثيقة..؟! وهنا ليس لدينا افصح من العبارة المشهورة في وصف هذه الفقرة (عرب وين يونامي وين).
طبقة سياسية بكل مواهبها في مجال التشرذم وابتكار الاطر لـ “الهويات القاتلة” تعد التجربة اللبنانية في مجال بناء دولة المحاصصة الطائفية والاثنية مثالها الاعلى..! عن أي تسوية تاريخية يجري الحديث، وجميع الاطراف الفاعلة فيها ينطبق عليها ما قاله امام العدل الاجتماعي علي بن ابي طالب “ع” ذات عصر (صرت كناكش الشوكة بالشوكة اداوي بكم وانتم دائي). وثيقة مثقلة بمفردات الدمار الشامل التي تقف خلف القسم الاكبر من الكوارث التي حلت على تضاريس هذا الوطن المنكوب من نسيج (المكونات، الاقليات، ثوابتنا، رموزنا، مرجعياتنا، و…). وثيقة محشوة بالكثير من المفاهيم والاصطلاحات الحداثوية منها و التقليدية، دونت فقراتها لترضي الجميع كما هو الدستور والذي انعكس على أرض الواقع بنزاعات وحشية لا مثيل لها. وثيقة لم تخرج عن طقوس وتقاليد سردياتنا العتيدة بوصفها (حمالة أوجه) بمقدورها تلبية حاجات وذائقة الجميع الا صنع التسوية التاريخية، حيث لا مكان فيها لأي تنازلات واقعية وشجاعة، ولا أي جدية في انصاف الضحايا ومحاسبة الجناة، بل على العكس من ذلك هناك دعوات لاعادة الاعتبار لهم عبر اختزال التسوية التاريخية بعبارة الدمار الشامل (عفا الله عما سلف).
في نهاية المطاف لا شيء جديد تحت رحمة هذه الطبقة السياسية، لذا نجد انفسنا مجبرين على التذكير بما اشرنا اليه مرارا منذ “التغيير” وحتى هذه اللحظة؛ من ان (التسوية التاريخية) هي من صنع طبقة سياسية شجاعة وواعية تضع مصالح الوطن والناس وخدمة الشأن العام على رأس اولوياتها، ومثل هذا الشرط المارق منبوذ من طبقتنا السياسية التي تلقفت الغنيمة الازلية بعد هرب قراصنة النظام المباد، واثارت دهشة العالم كله بحجم الشراهة والانانية وضيق الافق الذي تميزت به عن جميع سلالات القوارض السابقة. لذا ستبقى التضحيات الهائلة التي قدمها ابناء القوات المسلحة وعلى رأسها قوات مكافحة الارهاب الباسلة وايثار فصائل المتطوعين في الحشد الشعبي وقوات البيشمركة وبقية الفصائل الوطنية في حربها ضد قوى الجريمة والهمجية والارهاب؛ تنتظر طويلاً؛ ولادة مشروع التسوية التاريخية المنسجم مع هذه الصفحات من البطولة والايثار.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة