من هو الإعلام المعادي؟

الغريب، في ما نتابعه من اضطراب الحالة الاعلامية، ان الذين يتحدثون عن إعلام معادٍ للعراق وأمنه ووحدته، ويملأون الفضاء ضجيجاً حول ضرورة التصدي له، وتحريض الجمهور على مقاطعته، نراهم يظهرون تباعاً من على شاشات هذا الاعلام ويتزاحمون عليه، ويتكلفون استظهار الود وطيب الكلام مع محاوريهم، مهما استُفزوا، او كيد لهم، وهي واحدة من مظاهر شيزوفرينيا الخطاب الاعلامي للنخب التي تتصدر مسرح السياسة. من جانبي، لا احب عبارة “الاعلام المعادي” واحذر كثيراً من استعمالها، ليس لأنها مستهلكة، وقوانة قديمة، ولا لأنها تذكرنا بحملات اعلام صدام على أي قناة وخدمات اعلامية تنتقد وتفضح سلوك النظام ليوصف على انه إعلام معادي، بل، ولسبب بسيط، ان لا وجود لإعلام معادٍ في واقع الام، فكل خدمة اعلامية تعادي جهة او زعامة او سياسة ما، هي معادية من زاوية تلك الجهات، على تناقض مواقعها، واختلاف جنس الخدمة المتداولة في هذا الميدان اما علم الصحافة فانه يتحدث عن اعلام مهني، منصف، محايد، وآخر غير مهني، تهريجي ومنتج للكراهيات.
حتى الاعلام التجاري، فان توصيفه كإعلام معادٍ، يفتقر للدقة الموضوعية، أخذاً بالاعتبار ان هذا الاعلام يخدم، عادة، اكثر من جهة، بحسب فاتورة الخدمة ومساحتها، ويوالي اكثر من طرف، بحسب اشكال الحماية، فهو معادٍ لتلك وصديق لهذه، والنتيجة، ان هذا الاعلام يبيع الحملة عليه (من خصومه) كإعلام معاد، الى أصدقائه، فيرفع سعر العرق الذي يهرقه في الدفاع عن صاحب النعمة، ويسعى الى إثارة خصومات ومعارك مستمرة، ويسرّه ان يتلقى تهديدات او إحالات للقضاء، فإن ثمة جهات تلتزم بشد ازره والذود عنه.
الشكوى من الاعلام المعادي تظهر، في غالب الاحيان، حين يجد الشاكون انفسهم في موقف الضعف من مواجهة الاعلام الذي يهاجم «القضية» التي يدافعون عنها، بالحق أو بالباطل، ويعجزون عن تقديم سياق اعلامي منافس وفعّال ومُقنع، ليكون ساتراً رصيناً يتولى صد اختراقات الاعلام الآخر، والحذر من مفردة «الاعلام المعادي او الاعلام المعادي.
قبل سنوات، وجدت اسمي موصوفاً بـ»إعلامي معادي» مع نحو خمسين من الكتاب والاعلاميين والسياسيين، مع سيل من البذاءات والشتائم والتلويح بالقصاص.. لدرجة اني عدت هذا الاتهام وساماً.. مع التذكير، بأن الحياة علمتنا انْ ليس كل اتهامٍ وساماً.
*********
كتاب (مروج الذهب):
سُئل بعض شيوخ بني امية عقيب زوال حكمهم: ما كان سبب زوال حكمكم؟ قال: «إنا شُغلنا بلذاتنا عن تفقّد ما تفقّده يلزمنا، فظلمنا رعيتنا، فيئسوا من انصافنا، وتمنّوا الراحة منّا.. وكان استتار الاخبار عنا من اوكد اسباب زوال ملكنا».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة