نزهة ضد الصلف

(أخت الرجال) لجاك مارون:
روجيه عوطة

في مسرحية (أخت الرجال) لجاك مارون قصة تقوم بشخصيتين، أولهما، رندة الرشكيدي (نوال كامل)، سيدة الأعمال، التي ترأس وتدير إحدى الشركات، وثانيهما، سيلين دانو (ديامان بو عبود)، سكرتيرتها، أو «مساعدتها»، على رغبتها في الترقية والمنصب.
يفرغ وقت ربة العمل من المواعيد، فتملأه عبر الإجتماع بموظفتها، التي تغتبط بتمضية المساء بقربها. السكرتيرة تجد أن مجاورتها لمديرتها عبارة عن «سهرة». أما المديرة، فتجد أن مؤالفتها لمرؤوستها بمثابة «نزهة». لكن «السهرة» لا تكتمل، و»النزهة» لا تتم، بل يتحولان إلى عرض طموح، من جهة سيلين، وتهدد به، من جهة رندة، ولما تتواجه الجهتان، ينتج عن هذا شقلبة في التسلط، وخلل في الغلبة.
تمضي رندة حضورها في صورةٍ ذاتية، تبالغ في تأديتها. إذ إنها دائمة الإنشغال، وتحت وطأة ذلك، لا صلة سالمة ومؤكدة لها بغيرها، لا سيما ابنها، الذي يرفض استقبال مكالماتها، وزوجها، الذي طلّقها. وعلى الرغم من حالها هذه، لم تتراجع عن طباعها، ولم تلِن سجيتها، فظلت على أناها، تحكم القبض على مواقيتها، وتتمسك بمظاهرها، التي تتسم بغرورٍ، تكمن السفاهة فيه. أما، سيلين، فهي السكرتيرة المتعثرة، التي أتاحت لها رئيستها الدنو من عالمها، والإستمتاع بمشربها ومأكلها، مثلما سمحت لها إفلات العنان لمحادثتها، والإفراج عن مردوعها، وصياغته كتطلع وبغية، ومفاده: تحقيق الشهرة من خلال قتل أحد المشاهير.
ببراءة، تنطق الموظفة بمرادها الجرمي، فتتبلغه ربة عملها بتوتر وحذر، وسرعان ما تعتقد بأنها موضوعه، أي أنها الضحية الشهيرة. عندها، تضطرب علاقتهما، ويميل ميزان قوتها لصالح المرؤوسة، التي، وعلى عكس ما تظن رئيستها، لا تكشف عن كونها مصممة على إخافتها، أو ابتزازها، بل تبقى على تلبكها، وبساطتها، فضلاً عن إفراطها في التأسف والإعتذار. إلا أن المديرة تسعى إلى التساهل مع المجرمة المفترضة، وتلبية طلباتها، كمنحها زيادة على الراتب، وذلك، إلى أن تقابلها بذعرها، وتستفهم منها عن تخطيطها لقتلها، وعندها، تبوح الموظفة بنظرتها إلى رئيستها، التي، لما تسمعها، وعلى الرغم من شدتها، تعود إلى موقعها، وتنهي خشيتها.
على طول هذه المشاهد، تمكنت كل من الممثلتين أن تؤدي شخصيتها بدقة وتأّن، وإذا غالت في لعب دورها، سرعان ما تندرج مغالاتها في سياق كاريكاتوري، جرى تشييده من البداية حتى النهاية، من دون الإسراف فيه، أو حرف عفويته الكلامية إلى تعمد خطابي، غليظ على الأقل. وربما، مرد ذلك، أن الحوار لم يكن منطلق الممثلتين لمعالجة مواقفهما، بل إنهما استندا إلى هذه المواقف للتلفظ بدواخلهما حيالها، والإرتطام بمظهرهما بها، ما أدى إلى إنتاج كوميديتها. فالغالباً ما يترتب الإضحاك في أوضاعهما على أساسين، أي التعطيل المفاجئ لصلف ربة العمل، التي تصير مرتاعة من دونه، وبيان خُلق الموظفة، بوصفه غراً، وأخرقاً، ولا يتمهل في انقلابه الحاد، وعلى سبيل الذهول المستمر، من التملق إلى المكاشفة، ومن المداهنة إلى المصارحة. فعندما يفتر الجمهور أو يقهقه، فهذا، من جراء اصطدام الشخصيتين، وإماطة اللثام عن كون تواضع المديرة هو سلوك ظرفي، وعن كون تلقائية الموظفة هو خصلة ملجومة: «دستويفسكي هو ستالين».
فإذا كانت رندة الرشكيدي هي «أخت الرجال»، نتيجة موقعها، وتباهيها بصورتها الذاتية، التي تتكشف عن وهنها، وخشيتها.. فسيلين دانو، ليست «أخت الرجال»، لأنها لا تستمد همتها أو طاقتها من التطبع بهم، أو الإقتران بنسبهم، ولا حتى من رياضتها الجسدية، بل إنها تصنع، ومن دون تصور أو توجه مسبَقين، طائلتها بإشهار ما هو غير مرغوب في بيانه داخل المكتب، أي خفة بصيرتها، ونزقها.
تنظم طيشها في جمل وعبارات مصممة، فترجع إلى موقعها كموظفة مغلوب على أمرها. وعندها، تكاد المسرحية تنتقل من كوميديتها إلى دراميتها، وطبعاً، لديامان بو عبود وجه يعين على هذا الإنتقال، كما تكاد المسرحية تميل من هزلها إلى جديتها شبه الوخيمة. لكنها، تسرع إلى خاتمتها، التي بدت كأنها تعود بشخصيتيها إلى موقعهما. فكانت سهرتهما بمثابة جريمة وقعت بلا وقوعها، وكانت نزهتهما بمثابة انصراف من علاقتهما، إلا أنها لم تبلغ أي هواء طلق، وبقي دويها خافتاً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة