عليهم يا رجال!

مرة اخرى تنجح دوائر المكر والدهاء في العبث بصمامات “الشارع العراقي” لتصب المزيد من الزيت الى الاحتياطات الهائلة من الحرائق وبؤر التوتر، عبر فبركة تقرير الحمل غير المشروع في المناسبات الدينية، لتمنح جميع المستثمرين في بركة (نخبطها ونشرب صافيها) فرصة احراز المزيد من المكاسب الفئوية والعقائدية الضيقة على حساب سمعة ومصالح الوطن والناس العليا. معارك وفزعات مبرمجة لغاية واحدة لا شريك لها؛ وهي تحقيق المزيد من التشرذم والاصطفافات المميتة بين شعوب وقبائل وملل هذا الوطن المنكوب بسكانه وجيرانه وضحالة الوعي الذي انحدروا اليه بفعل اربعة عقود من الهيمنة المطلقة لـ “جمهورية الخوف” و14 عاماً من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية. من يرجع الى الوراء قليلا سيعرف عائدية مثل هذه التقارير المليئة بالخسة والدونية، ولا تحتاج لكل هذه المناورات والتعقيد كي نتعرف على هذه القوى والمخلوقات التي حولت احد أكثر البلدان الواعدة بمشاريعها الانسانية والحضارية (العراق) الى أكبر مرتع للكوابيس والكوارث التي شهدتها المنطقة في العقود الاخيرة من تاريخها. وسط كل هذا الصخب والضجيج والحماسة المستعارة، تشرع الابواب لكل من هب ودب للتسلل وتلقف زمام أمور (ولي الامر أو ولي الدم) وفي نهاية المطاف يتم (القاء القبض على الضحية واطلاق سراح الجاني) كما حصل مراراً في تاريخنا القديم والحديث.
في بلد العجائب والغرائب كل شيء ممكن ومباح، لذا نجد من تستر على فلول النظام المباد تحت ذريعة (التوبة) ونقل القلم والبندقية من كتف الى كتف آخر؛ هم الاكثر حماسة في مثل هذه الصولات الشعبوية، لينثروا المزيد من العجاج على جبهة المشهد الراهن المصخم اصلاً. لقد حذرنا مراراً من الاستثمار في شريحة “اللوكية” وتهميش العقول والاقلام الحرة والشجاعة، لكن (لا رأي لمن لا يطاع) وها هي المخلوقات التي لوثتها مؤسسات النظام المباد، تؤدي ما عليها من التزامات تجاه اصحاب نعمتها وملهميها المتمترسين داخل الوطن وخارجه. منذ لحظة التغيير ربيع العام 2003 حذرنا في سلسلة مقالات من مخاطر هذا النهج الذي اعتمده سكان المنطقة الخضراء وقلنا بصريح العبارة لا تسمحوا لـ (المنكوح والمذعور) بالتسلل للمؤسسات الجديدة ومفاصل الدولة الجديدة، لكن من دون جدوى، فاولويات القوم بعيدة عما يواجهنا من تحديات.
تقرير جريدة الشرق الاوسط هو نسخة مبتذلة من سلسلة المقالات التي نشرتها ماكنة النظام المباد حول سكان الجنوب العراقي، بعد قمع الانتفاضة الشعبية عام 1991. وضحالته تستمد قدرتها على الاستمرار بالظهور باشكال مختلفة، من ثقافة وتقاليد رسختها قرون من العبودية والخنوع والاستبداد، المتخصصة بتشويه ومسخ هوية الانسان وأبسط حقوقه في العيش الحر والكريم. ولمواجهة مثل هذه الانتهاكات الصارخة والمسيئة لقطاعات واسعة من الشعب العراقي، علينا اللجوء للسبل القانونية والحضارية الصارمة، والتي بمقدورها وحدها لجم مثل هذه الاعتداءات المبرمجة، لا بتصعيد مناخات الشعبوية الرثة التي تجرفنا جميعاً في الاساءة لبعضنا البعض، والى نعمة التنوع والتعددية الثقافية والديموغرافية التي منحتنا اياها الاقدار، عبر الشعار المجرب في مجال استثارة الغرائز والنزعات المتدنية للحشود (عليهم يا رجال) والذي عصف بوحدتنا وهمتنا الوطنية والانسانية في غير القليل من المنعطفات التاريخية التي اهدتنا كل هذا الضياع..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة