رواية (مالم تمسسه النار) للروائي عبد الخالق الركابي (ج3)

قريبا من أسرار.. بعيدا عن لهيب نار
حميد الحريزي

الصدف هي التي حكمت بإيجاد علاقة بين «نديم» وبين المنفي السياسي المثقف الشيوعي «فريد عمران» كانت إحدى المصائب التي حلت على رأس هذا الشاب، حيث أعاره ذلك عدداً من كتبه حينما التقاه مصادفة في المقهى التي يرتادها المنفيون عادة، ومنها طبعة تجارية لرواية (الجريمة والعقاب) لديستويفيسكي، وهي إشارة من الروائي إلى واقع ذلك الوقت حيث يقبع خيرة المناضلين والمثقفين العراقيين ولاسيما الشيوعيون في السجون والمنافي على طول الوطن وعرضه، مما جعلهم، رغم هذه الحواجز، بؤرة إشعاع فكري وثقافي كبير أينمـا حلوا حتى وإن كانوا في السجون والمنــافي.
وهذا يذكرني برواية رائعة للروائي هشام توفيق ألركابي بعنوان (المبعدون) وهي تحكي أيضا حال المناضلين في السجون والمنافي ولاسيما في بدرة التي كانت من المنافي الرئيسية آنذاك للمناهضين للحكومات وخصوصاً من الشيوعيين واليساريين عموما.
وقد أشار الروائي إلى هذا الدور الهام لهؤلاء المناضلين في مقاومة الظلم والقبح وانتصارهم للكادحين من عمال وفلاحين ومقاومتهم للاستعمار الانكليزي، وما حدث من حالة فوضى وصدام بين الشرطة وأنصار فريد عمران أثناء عرض فلم يشيد بالاستعمار الانكليزي ويستعرض احتفال تسلم الملكة «إليزابيث الثانية» لمقاليد المملكة، معرجاً على الصدفة التي كان «نديم اسكندر» حاضرا للتفرج على هذا الفلم في السينما السيارة وبالتالي استدعائه إلى مركز الشرطة، وغضب والده عليه رغم انه ليس طرفا في ما حدث.
ولم يغفل الروائي الإشارة الايدولوجية المناهضة لليسار والمزيفة للحقائق ولأهداف الشيوعيين وما يريدونه من نضالهم ضد القهر والاستغلال ليظهر هذا الادعاء الزائف والمضلل على لسان «إسكندر بيك» حيث يقول لولده نديم محذرا إياه من الشيوعية والشيوعيين:-
«أنهم يعملون إلى أن يجردوني– انأ والدك– ليس من حقولي وبساتيني ومطحنتي وبيتي فحسب، بل حتى من هذه السكين والشوكة اللتين بين يدي…… لأني إقطاعي، وانك بالتالي سليل إقطاعي، ولذا يفترض بهم تجريدك من كل شيء… كل شيء حتى من دشداشتك هذه». ص66
وللأسف هذا الفهم الخاطئ لأهداف الشيوعيين والخلط المتعمد بين مفهوم الملكية الشخصية كالدار، والسيارة، وأثاث البيت وما إليه من ممتلكات حياتية شخصية، وبين ما يقصده الشيوعيون من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج المؤدية حتما إلى الاستغلال للعمال عن طريق العمل المأجور، ناهيك من وصم الشيوعيين من أنهم يناصبون نواميس السماء العداء، رغم أنهم الأكثر التصاقاً بالأرض وهمهم منصب على ما يجري على الأرض من حالة القهر والاستغلال.
كما أن الكاتب أشار إلى رجحان كفة السلطة وأعوانها من القوى الرجعية والمحافظة من الاقطاعيين وبعض ادعياء الدين والتدين، ضد قوى اليسار والشيوعية وانصارهم في بدرة خصوصا حيث استطاعت الشرطة قمع أصوات الاحتجاج ضد الاستعمار البريطاني وصنائعه في المنطقة اثناء عرض فلم تنصيب اليزابيث الثانية، وكذلك رجحان كفة امام الجامع ومن اسنده ضد دفن الشيوعي المصعوق بالكهرباء في مقبرة المدينة بدعوى كونه ملحداً ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، فاضطر رفاقه وانصارهم إلى دفنه على قمة تل منفرد، وهي إشارة واضحة إلى طبيعة الصراع والحراك الاجتماعي آنذاك زمن الحكم الملكي للعراق .
هذه الشخصية «نديم اسكندر بيك»، أغرت الكاتب الروائي العليم بكتابة رواية غير تقليدية تتجاوز ما درج عليه من أساليب كتابة الروايات السابقة، باقتراح وإلحاح ومتابعة صديقة «زاهد سلمان»، هذا الراوي العليم وهو موظف بسيط يعمل في إحدى المجلات الحكومية في بغداد وهو من أصول عائلة «بدراوية»غالبا ما يدفعه الحنين إلى زيارة مهد طفولته وصباه قبل أن يغادرها إلى بغداد العاصمة، كان مرة مختارا ومرة مجبرا تحت تردي الظروف الأمنية في العاصمة عقب احتلال الكويت سنة 1990 وما نجم عنه من اندلاع حرب (عاصفة الصحراء) سنة 1991.
وهذا ما جعل الراوي يتابع حياة وحكاية هذا «النديم»، رغم كونه غريمه بعدما تمكن من سلب «بتول» حبيبته وقريبته وموقظة حسه الذكوري وتزوجها، تحت تأثير سطوة عائلته من حيث الثراء والنسب، وسطوة العلوية والدته على عائلة «بتول»، مما أتاح له إمكانية مرافقة نديم ومحاورته والاطلاع على بعض أسراره… مرة بدعوة من «نديم» ورغبته في توثيق معاناته في رواية، وأخرى بطلب من «بتول» للبحث عن التفتيش عن زوجها «نديم» على أثر تسيب محتجزي الشماعية بعد القصف الأمريكي لبغداد أثناء حرب (عاصفة الصحراء)، مما مكنه من مكاشفة نديم برغبته في كتابة رواية يستعرض فيها تحولاته ومعاناته وسلوكياته الحياتية عبر محطاتها المختلفة، الطفولة، والمراهقة والشباب، والسجن، ومكوثه في «الشماعية»، على الرغم من تردد نديم الشديد من كشف محتويات «سجله الأسود» أولاً، وثانيا إصراره أن يشارك الكاتب غلاف روايته كمؤلف شريك كما لاحظه في رواية (عالم بلا خرائط). وقد قبل الكاتب مضطرا على هذا الطلب، سعياً منه لإنجاز روايته المنتظرة .
فان عجــزت (الاقطوازيــة) علـى كتـابة تاريخها فهي تجبر المثقف المبدع أن تكون شريكته في إبداعه بالرغم عنه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة