عصر الرواية التجارية

سلام مكي

العنوان هو من ابتكار الروائي خضير فليح الزيدي، نشره ضمن بوست له، حول انتشار ظاهرة الرواية التجارية، وهو بوست يأتي ضمن ردود الأفعال هو كتاب: ساعة بغداد للكاتبة شهد الراوي، الذي احدث جدلا افتراضيا بين المثقفين والأدباء. الكتاب الذي يشير الى انه رواية، ويصر المؤيدون للفكرة انه رواية رغم عدم اطلاعهم على اساسيات الرواية وعدم اطلاعهم على الكتاب، حتى تتم المقارنة ومن ثم اطلاق التسمية، تم طبعه للمرة الثالثة في مدة قصيرة لا تتجاوز شهرين وهو أمر غير مسبوق، ويحسبه البعض انه نجاح كبير للكتاب ولمؤلفته الشابة الجميلة التي نالت عطف أدباء وكتاب طالما عرفوا بنرجسية عالية، تمنعهم من التواصل مع من يرونه دون مستواهم الثقافي والأدبي. الرواية التجارية التي قصدها الزيدي، تعني الرواية التي تقاس بكاتبها وليس بمضمونها، تقاس بشكل الكاتب، وعلاقاته الاجتماعية، ومدى قربه من الاسماء التي تهيمن على الاعلام المروج للنشاطات الثقافية، الرواية التي تصدر عن دور نشر، تغري القارئ بالعناوين الفرعية، والانساق البعيدة عن قيم الابداع والجمال، والخالية حتى من اي ثيمة يمكن للناقد ان يبني عليها نقدا ثقافيا، بمعنى انها لا تصلح حتى للنقد الذي يسلط الضوء على القبحياتوالانساق المضمرة، لأنها ببساطة بلا انساق، وهي بمجملها نسق ثقافي قبيح، طارئ على الكتابة، يحاول الناقد الثقافي محاربتها قبل ان تطبع، لأنها كما قلنا قبيحة بذاتها ولا تحمل اي نسق جمالي يمكن للناقد الأدبي تلمسه عند قراءته للنص. الرواية التجارية شاعت مؤخرا، شاعت لدرجة انها هيمنت على سوق الكتاب، واحتلت الصدارة في سوق الكتب، وازداد اقبال القراء عليها، وتحول كتّابها الى نجوم في سماء الثقافة، واعتبرهم البعض (اصحاب طرائق جديدة في انماط السرد الشائعة التي يكتبها المؤلفون العراقيون)، حتى ان احد الكتب وضع الى جانب روائع الأدب العالمي في نسبة المبيعات. ولا نعلم ما هي الاسباب التي ادت الى تحول القارئ الى الرواية التجارية، وجعلها بديلة عن الرواية الرصينة، الرواية التي تعتمد على مضمونها لا على كاتبها: هل لأنها تلبي رغبات القرّاء، وتسهم في اشباع حاجاتهم الثقافية؟ أم لأن اصحابها من الجنس الناعم، الرقيق الذي يفيض انوثة وسحرا؟ ولماذا هذا الدفاع المستميت من قبل مثقفين عن اسماء بعينها، واتهام الآخرين بأنهم يريدون ربط الكتاب الشباب بقيود الأدباء الروّاد؟ لماذا يدافع مثقف، عن رواية دون ان يقرأ حرفا منها؟ ربما التعاطف مع الكاتب، خصوصا عندما تكون امرأة، من باب احترام المرأة، وتقدير جهودها، يعد أمرا محمودا لكن ليس على حساب الإبداع، فلا نمدح رواية لأجل كاتبها، بل لأنها تضمنت شرط الابداع الذي يجب على كل كاتب، معرفته والا فإن الكتاب لا قيمة أدبية له، مهما كان كاتبه جميلا وانيقا. ويبدو ان عصر الرواية التجارية ارتبط بعصر دور النشر التجارية، التي تقوم بحركات تهدف من ورائها الى الربح المادي، على حساب الثقافة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة