جداريات قبر صور: حب وغيرة وخطف وتفاوض

محمود الزيباوي

افتتح مؤخراً الطابق السفلي للمتحف الوطني اللبناني الذي خصّص للفن الجنائزي في لبنان عبر العصور. يضم هذا الطابق مجموعة كبيرة من الآثار، من أهمّها قبر من الحقبة الرومانية اكتُشف في نواحي مدينة صور العام 1937، رُمّم منذ بضع سنوات بفضل منحة من وزارة المديرية العامة للتعاون للتنمية في وزارة الخارجية الإيطالية.
يعود هذا القبر إلى القرن الثاني للميلاد، وتزيّنه مجموعة من الجداريات تتميّز بمواضيعها المستقاة من الإرث اليوناني الذي شاع في العالم المتوسطي. على مدخل القبر، تحلّ صورة امراة تتوسط كرمة مورقة تمتد أغصانها من حولها بشكل متجانس. هي «بسيكة»، توأم روح الإله إيروس، وترمز إلى النّفس كما يشير اسمها. وبحسب الرواية المتداولة في الحقبة الرومانية، كانت الأميرة آية من الجمال وهو ما أثار غيرة الإلهة فينوس فبعثت بابنها إيروس إليها ليجعلها تقع في حب أحقر إنسان على هذه الأرض، فطار لإتمام مهمته، غير انه هام بالأميرة، فخرج عن طوع أمّه وخصّص لحبيبته قصراً يزورها فيه كل ليلة بعدما وعدها بحبّ لا نهاية له، شرط ألا تسعى إلى معرفة هويّته أو إلى رؤية وجهه. خالفت «بسيكة» الأمر، واقتربت من حبيبها بينما كان نائما فرأت وجهه، إلا أنّ الإله استيقظ على وقع نقطة زيت سقطت من القنديل الذي كانت تحمله، فثار وولّى هارباً، تاركاً حبيبته فريسة للّوعة والشقاء. وبعد تجارب عديدة ومغامرات طويلة آخرها النزول إلى الجحيم والسير في دركاته، عادت الأميرة والتقت حبيبها، فاتّحدت به، وحظيت بالخلود، ما أبعدَ عنها غيرة فينوس.
تحضر «بسيكة» على باب قبر صور، وهي هنا صورة للنفس التي تختبر التجارب وتعاني المحن ومن ثمّ تتحد بالحب الإلهي، فتفوز بالغبطة الدائمة.

تتبع زينة القبر الممتدة على جدرانه الأربعة، النمط الروماني الكلاسيكي. في الجزء الأسفل، تحلّ الصور «المجرّدة»، وفي الجزء الأعلى، تحضر الصور الإنشائية المستقاة من الميتولوجيا الإغريقية. تجد هذه الصور موقعها فوق شريط نباتي طويل تحمله بشكل متواز مجموعة من الفتيان المجنّحين. على الجدار الشمالي، نرى رجلاً ملتحياً ينحني وسط أربع شجيرات مثمرة، ماداً ذراعيه إلى الأمام، وهو كما تدعوه الكتابة اليونانية المرافقة، «تانتالوس»، أحد ابناء مجمع آلهة الأولمب زيوس، وكان يشارك الآلهة الطعام إلى أن حاول اختبارها، فقتل ابنه الوحيد، بيلوبس، وقام بغلي لحمه على مرجل، وقدّمه للآلهة في المأدبة التي دعاهم إليها في قصره، فعاقبته ونفته إلى العالم السفلي حيث ابتلي بعذاب العطش والجوع. نقل هوميروس هذه الرواية في «الأوديسة».
على الجدار الجنوبي، نرى رجلاً مسناً ينحني أمام شاب يجلس بسمو على عرش من الرخام، ويظهر خلف الرجل المعمّم رسم فقد الجزء الأكبر منه، يمثّل رجلاً ممدّداً على الأرض. تسمّي الكتابات اليونانية الأشخاص الثلاثة، وهم بريام، آخيل وهكتور، أبطال «الإلياذة». تجسّد الجدارية خاتمة الملحمة، حيث يفتك آخيل بخصمه هكتور، قاتل صديقه باتروكلوس، ثم يربط جثته بعربته ليدور بها حول طروادة، ولا يجد الملك المغلوب، بريام، أمامه سوى أن يستجدي قاهره ليسمح له باستعادة جثة ابنه هكتور كي يكفنها ويدفنها، فالميت لا يدخل مملكة الأموات طالما بقي جسده من دون لحد. وفقاً لأشهر أبيات الفصل الأخير من ملحمة هوميروس، يركع بريام أمام آخيل ويقبّل يده الممدودة، ويستجديه قائلا: «هذا هو هيكتور، الذي من أجله آتي إلى سفن الآخيين/ لأعود به من عندك. وقد جلبت هدايا تفوق العدد/ فكرم الآلهة يا آخيل، وأشفق علي/ وأنت تذكر أباك. بل أنني أستحق الشفقة أكثر منه/ فلقد مرّ بي ما لم يمر على إنسان فوق الأرض/ وأنني أضع شفتي على يدي الرجل الذي قتل أولادي».
إلى جانب هذه الصورة، يحضر هرقل مرة ثانية بقامته العارية، وهو هنا يجر كلباً مقيّداً بسلسلة مربوطة حول عنقه. وفقاً للرواية المتوارثة، نزل البطل الإغريقي إلى العالم السفلي، «ليعيد كلب إله الموت الشنيع من مملكة الظلام»، كما أشار هوميروس في «الإلياذة»، ويُدعى هذا الكلب كلبيريوس، وهو حارس أبواب العالم السفلي، وغالبا ما يٌصوّر عند قدمي سيّده هاديس، سيد العالم السفلي.
تختزل جداريات قبر صور البديعة، الفن الروماني الجنائزي في عهده الأخير، وتجسّد جماليّته الخاصة التي طبعت ميراث العالم المتوسّطي في القرون الميلادية الأولى، قبل انتشار المسيحية. ترافق صور أبطال الأساطير الميت في مثواه الأخير، كأنّها تشهد على بؤس المصير البشري. الآلهة، وإن حضرت، تمثل صورة عن البشر، وهي تشاركهم قدرهم في هذه الدنيا الفانية، وتمضي معهم إلى العالم السفلي لتؤنسهم في مملكة الظلام.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة