الضحالة والإعلام

يقول برناردشو: (كن حذراً من المعلومة الخاطئة، فهي أكثر خطراً من الجهل) ومثل هذه الأخطار التي تشكلها المعلومات الخاطئة والمنابر والمؤسسات التي تقف خلفها، تتحمل وزر قسم كبير من الضحالة الفكرية والثقافية والقيمية التي نشاهدها مع قطّاعات واسعة من المجتمع العراقي، بالرغم من مرور أكثر من 13 عاماً على “التغيير” الذي شرّع الأبواب واسعا أمام التحولات في مجال حرية الرأي والتعبير وتأسيس المنابر الإعلامية المختلفة (المطبوعة والسمعبصرية ومواقع التواصل الاجتماعي) لكن من سوء حظ العراقيين، أن تتلقف مثل هذه المنحة التأريخية نوع من القوى والأحزاب والجماعات والكتل، تقبع في قعر أولوياتها مهمة إيصال المعلومة الصحيحة والمواقف الجريئة والشجاعة للمتلقين من سكان هذا الوطن، الذين حرموا على مدى أكثر من ثلاثة عقود من مثل هذه الحقوق الأساسية للأفراد والمجتمعات.
عندما نستمع أو نشاهد مواقف وآراء عدد كبير من العراقيين من مختلف المشارب والمستويات، حول ما يجري في وطنهم من أحداث وتحولات، نصطدم بذلك الكم الهائل من الآراء التعبوية والكبسولات الجاهزة المقدمة لهم من مطابخ تلك المنابر العقائدية والآيديولوجية الضيقة أو السطحية في أفضل الحالات، والتي يرددونها من دون وجع من عقل أو ضمير. هذا هو “الإعلام” الأخطر والأكثر ضرراً من الجهل نفسه، لأن المعبأ بتلك المعلومات لا يدرك ولا يمتلك الوقت والإمكانية ليعرف زيف ما يحمل من “معلومات” فلو كان جاهلاً ويعرف أنه جاهل، فسيكون مستعدا لتقبل المعلومات والمعارف الجديدة، لكن الأكاذيب والزيف تحجب عنه ما يحتاجه من إعلام ومعلومات صحيحة وصادقة. طبعا هذا لا ينفي وجود إعلاميين وكتّاب وصحفيين يكرسون كل إمكاناتهم ومواهبهم من أجل إيصال المعلومة الصحيحة والآراء الشجاعة والمسؤولة للمتلقين، عبر بعض المطبوعات والمنابر الإعلامية الأخرى، لكن جهودهم فردية ومحدودة، وفي نهاية المطاف تقف عاجزة أمام سيول الضخ والبث الواسع للافتراءات والأكاذيب والقصص الملفقة باتقان وخبرة تمتد لأغوار التأريخ والتدوين على هذه التضاريس المنحوسة.
البعض يتساءل عن علل هذا النحس العضال الذي يرافقنا منذ عقود، من دون أن يلتفت الى كل تلك الاحتياطات الهائلة من الضحالة والوعي المقلوب والقوى التي تمده بكل ما يحتاجه من أجل التمدد والبقاء. لا أحد يلتفت الى الخيبات المتتالية التي تنتهي إليها جميع فزعات الإصلاح والتغيير وبقية الاستعراضات الشعبوية التي تتقافز على سطح الأحداث بين خيبة وأخرى. لا شيء غير “القادسيات” والمزيد منها، في هذا العالم الذي هجر مآثر وفتوحات القوافل الغابرة منذ المغفور له كوبرنيكوس. ما زالت الغالبية المطلقة من وسائل الإعلام بكل صلف وعنجهية تضع نصب عينيها؛ مهمة إعادة الروح لمومياءات عصر تدوّن فيه التغريدات على جلود الحيوانات. حتى المنابر التي تدعي تمثيلها لقيم الحداثة والتعددية والحريات، لم تنجو من اصطبلات التدجين ومنهج فتل عنق الحقائق الى ما تحدده مشيئة مالكي معلف التمويل واشتراطاتهم المتنافرة ورسالة الإعلام الحر والمستقل. مع مثل هذه المناخات والاصطفافات غير السوية؛ تصبح مهمة التحرر من براثن هذه القسمة الظالمة مهمة شبه مستحيلة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة