مثلث الفساد

بالرغم من كون مفهوم “الفساد” واسعاً وشاملاً وله تجليات ووظائف متعددة ومختلفة في شتى الحقول المادية والقيمية، الإ إننا اليوم نوّد أن نستعيد حادثة واقعية عاشها العالم الجليل الدكتور على الوردي. فمن المعروف ان كتاباته قد أثارت ضده حملات شديدة وواسعة ومن مختلف المعسكرات التقليدية منها والحداثوية. منها التهديدات التي تعرض لها من قبل عدد من رجال الدين، والتي وصلت لحد التحريض عليه بوصفه أحد أركان مثلث الفساد. فقد جاء في خطبة الجمعة لأحد خطباء الجوامع في بغداد آنذاك، والتي حدد فيها مثلث الفساد بالأركان التالية:
(هناك ثلاثة أمور تؤدي إلى فساد البلاد هي؛ القمار والبغاء والدكتور علي الوردي)..؟!
مر أكثر من نصف قرن على مثل تلك الحوادث وذلك النوع من خطباء الجمعة (والتي اعادت الاقدار تدويرهم بنحو واسع بعد الردة الحضارية التي حذر منها الدكتور علي الوردي في مؤلفاته مراراً) لم يتبقى من ذلك الخطيب أي أثر يذكر ولم يعد هناك من يتذكر اسمه، بينما مكانة واثر الدكتور الوردي لا تحتاج لمن يتنطع للتعريف بها، فهي تتوهج على مر الزمن. اما الأركان الاخرى من مثلث الفساد الذي اكتشفه خطيب الجمعة وهما (القمار والبغاء) فهما لم يفترقا يوما عن مسيرة المجتمعات البشرية، وهي تتخذ اشكالا وواجهات مختلفة تماشياً مع شروط الحياة المتغيرة دائماً، ولا اعتقد أن هناك ماهو أبشع من الفضائح التي اقترفتها دولة الخلافة في ولايات العراق والشام ولا سيما فيما عرف بـ (جهاد النكاح ومأساة السبايا)، فقاعات القمار موجودة في غالبية المدن الكبرى وكذلك أماكن البغاء المقننة والمنظمة، وهي لم تؤدي الى فساد تلك البلدان المعروفة باستقرارها وازدهارها الاقتصادي والاجتماعي. في البلدان التي وصلت لسن التكليف الحضاري، توجد هناك مؤسسات دينية عريقة، غير انها لا تحشر نفسها في مثل هذه القضايا الخاضعة لسلطة الدولة والقانون، على العكس مما يجري في مضاربنا المنكوبة بمثل هؤلاء “العلماء” الذين لا يطيقون وجود العلماء الحقيقيون في ميادين تخصصهم المعروفة.
غرائبية المشهد الراهن تطفح اليوم بنوع من المخلوقات اصبحت تنافس هذا النوع من رجال الدين المتطفلين على كل العلوم والحقول وتفصيلات حياة عيال الله، إذ ينبري رجال سياسة وقانون للتصدي لقضايا الحلال والحرام والمقدس والمدنس وغير ذلك من المقتنيات الخاصة لرجال الشريعة واللاهوت، كما حصل مؤخرا مع القاضي الذي حشر نفسه في الفقرة التي حرمت بيع وانتاج الخمور في العراق، والتي دفعت المشهد الحالي الهش اصلاً الى المزيد من التشرذم وضياع الاولويات في وقت عصيب وعسير يمر به سكان البلاد من شتى الرطانات والهلوسات والازياء. ان الفساد الحقيقي والمدمر موجود في تلك الجماجم التي ترى في الدكتور علي الوردي ورفاقه وتلاميذه والسائرين على دروب النهضة الحقيقية والتنوير؛ هم الفساد بعد ان يخلطوهم باشياء لا علاقة لها ببنية الفساد الفعلية مثل (القمار والبغاء والخمور والسفور و..) الفساد الحقيقي في الدول والمجتمعات موجود في اسلوب جني الثروة وتراكمها، وهذا ما لا يطيقه وعاظ السلاطين على مر العصور ..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة