علاقة مصر بدول مجلس التعاون الخليجي

«دراسة حالة المملكة العربية السعودية»
دينا شيرين محمد شفيق

المبحث الثانى:
الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج بالنسبة لمصر:
تتمتع منطقة الخليج بصفة عامة بالعديد من المقومات التي جعلتها محط انظار الدول الكبرى والقوى الاستعمارية على مدار التاريخ، فما بين موارد طبيعية وموقع متميز يقع على الحدود بين حضارتين العربية والفارسية ثم بين الحضارة الإسلامية والحضارتين الهندية والصينية التي وصلت سفنهما اليه،ثم الحضارة الغربية المسيحية،اذ لم يكن الخليج العربى تعبيراً جغرافياً فقط،بل كان تعبيراً اقتصادياً حيناً وتعبيراً سياسياً وعسكرياً أحيان أخرى.
إضافة الى ذلك فان دول مجلس التعاون الخليجى تتمتع بأهمية جيوبوليتكية وجيواستراتيجة منذ القدم،فالمملكة العربية السعودية تمثل الحد الشرقى للوطن العربى،ونقطة اتصال وثيقة بين شرق العالم وغربه،ولقد تزايدت تلك الأهمية بعد اكتشاف النفط كسلعة استراتيجية مهمة لا غنى عنها في عالمنا المعاصر، كما ان منطقة الخليج تحتوى على اكثر من ثلثي احتياطيات النفط العالمية الامر الذى جعل منها نقطة احتكاك بين كل القوى الكبرى.ولذلك سيتم دراسة الأهمية الجيو استراتيجية والتطور الاقتصادى والسياسى والاجتماعى والعسكرى لدول الخليج.
أولا:الأهمية الجيواستراتيجية لدول الخليج:
تعد منطقة الخليج منذ ظهور أول حضارة بشرية عليها ، من الطرق المائية والبحرية المهمة وملتقى حضارات الشرق القديم ، وإضافة إلى أهميتها الجغرافية والاستراتيجية فإنها تحظى أيضاً بأهمية اقتصادية بالغة وثروات نفطية وغازية تعد مصدراً رئيساً لتغذية الطاقة على مستوى العالم . ولذلك كانت منطقة الخليج على الدوام مطمعاً لكثير من الدول العظمى ، لما تتمتع به من أهمية وموقع استراتيجي لا يضاهى .. وبالتالي فقد ارتبطت منطقة الجزيرة العربية عموماً بالتأثيرات والمتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية ، متأثرة بتغيرات الأوضاع الدولية أكثر من غيرها.
*الموقع الجغرافى:
تبلغ اجمالى مساحة منطقة الخليج نحو 5.25 مليون كم، وهى بذلك تشكل 30.3 لاجمالى مساحة منطقة الشرق الأوسط.وتبلغ المساحة الكلية لدول مجلس التعاون الخليجى 2.7 مليون كم ،ومن ثم تمثل 51.42% من مساحة منطقة الخليج كما تتباين مساحات دول مجلس التعاون الخليجة بشدة ،وما ينتج عنه من اخلال في التوازن الاستراتيجي،فمثلا مساحة المملكة العربية السعودية تمثل 83.45% من اجمالى مساحات دول الخليج،بينما دولة مثل قطر تمثل 0.4% من مساحة دول الخليج. الخليج ظلت الرياض في الحقبة الماضية هي مفتاح الدول العربية الخليجية لكونها من الدول الرئيسة في المنطقة و لما تحظى به من أهمية فهي مهد الدين الإسلامي ومركز لأهم المناطق الإسلامية المقدسة والمكان الذي يقصده ملايين المسلمين كل عام . إضافة إلى مخزونها النفطي الضخم . ودورها في تحديد أسعاره والتأثير في تجارته العالمية.

وتحوى أعماق الأرض الخليجية العديد من الخامات الاستراتيجية أهمها البترول الذى يشكل ثلثي احتياطي المخزون العالمى من الطاقة النفطية وكذلك الغازات الطبيعية،كما تحتل منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية أهمية كبيرة فيما يتعلق بالاحتياطات الغازية المؤكدة والتي بلغت ما مقداره ( 25.793 تريليون متر مكعب ) أي ما يعادل 16% من الاحتياطات العالمية لهذه المادة ، وهذا ما دعا الدول الكبرى للسعي دائماً للتغلغل والتحكم في اقتصاديات وأسواق الأقطار الخليجية بغية الهيمنة عليها لإنعاش السوق الرأسمالية فيها بنحو خاص.
وبصفة عامة تقع دول مجلس التعاون الخليجى في الجنوب الشرقى لمنطقة الشرق الأوسط،ويحدها شمالا العراق من جمهوريات اسيا الوسطى وتركيا، من الشمال الغربى الأردن وسوريا،ومن الغرب البحر الأحمر وفى الشرق أفغانستان وباكستان وايران عبر الخليج العربى.
ويسجل التاريخ القديم والحديث طموح بعض القوى الاستعمارية والإقليمية للسيطرة على منطقة الخليج،وهذا ما جسدته سياسات بعض القوى الإقليمية وخصوصا ايران اتجاه الخليج العربى،فمنذ قيام الثورة الإيرانية ترى ايران بأن مجالها الحيوى يمتد في المحيط العربى المجاور لها من الناحيتين المذهبية والأيديولوجية والجغرافية. وبصورة عامة تستأثر منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية بصفة خاصة بأهمية كبيرة واستثنائية في العلاقات الدولية لجملة من الاعتبارات ، فهي تمثل منطقة التقاء طرق المواصلات بين القارات الثلاث ، ونقطة التقاء طرق التجارة المختلفة ، و بالوقت نفسه تمثل ممراً مائياً يسيطر على أهم المضايق المائية الدولية التي تتحكم بنقل النفط إلى الدول الصناعية المتقدمة ، ويقع على هذا الممر المائي موانئ ومراكز بحرية مهمة. لتجارة هذه المادة وصناعتها المتنوعة
ومن خلال ما سبق يمكن التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للخليج العربى على المستوى الجغرافى حيث يظهر هذا الموقع الجغرافي ان لدول الخليج العربي أهمية جيو استراتيجية كبيرة وذلك لكونه احد العناصر الرئيسة في التوازن الاستراتيجي الدولى منذ سنوات عديدة.
ثانيا:الأهمية الاستراتيجية على المستوى السياسي:-
تنبع الأهمية السياسية لدول الخليج من تفاعل المعطيات السياسية والاقتصادية والجغرافية والديموغرافية التي تتشكل في اطارها هذه الدول،والتي بدات بالظهور والتبلور منذ مدة طويلة لتشكل نظاماً اقليمياً ذو أهمية سياسية كبيرة على صعيد العلاقات الدولية في العالم المعاصر.
و برغم أن اكتشاف النفط يعد عاملاً رئيساً وحيوياً في أن تحتل منطقة الخليج العربي مكانتها البارزة في جدول أولويات السياسة الاستراتيجية الغربية والأميركية ،وخصوصاً في اعقاب حرب أكتوبر 1973.
الا ان الأهمية السياسية لدول مجلس التعاون الخليجى عربياً تأتي من دوره لتحقيق التكامل السياسى بين دوله،حيث يعد مجلس التعاون الخليجى واحدا من التجمعات العربية المعاصرة متعددة الأطراف التي شهدت نجاحا ربما لم يتوفر للعديد من التجمعات العربية السابقة والحالية.
وقد توصلت الدول الست المشكلة للمجلس الى صيغة تعاونية تهدف الىتحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين دولهم في جميع الميادين وصولا الى وحدتها،على وفق ما نص عليه النظام الاساسى للمجلس في مادته الرابعة،التي اكدت أيضا على تعميق وتوثيق الروابط والصلات زاوجه التعاون بين مواطني دول المجلس.
وتتميز دول مجلس التعاون بعمق الروابط الدينية والثقافية والتمايز الاسرى بين مواطنيها،وهى في مجملها عوامل تقارب وتوحد وتجانس في الهوية والقيم،كما تمثل رداً عملياً على تحديات الامن والتنمية، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية،وفى الشئون التعليمية والثقافية واجتماعية،وانشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة وتشجيع تعاون القطاع الخاص.
ومن ثم يمكن تحديد الأهمية الاستراتيجية على المستوى السياسى ذلك ان منطقة الخليج تعد مجالا حيويا على المستويين الاقليمى والعالمى.كما ان دول الخليج تشكل أساساً يرتكز عليه النظام العربى،كما ان سياسات دول الخليج حققت توازناً مهمًا في منطقة الشرق الأوسط.الى جانب ذلك فهناك علاقات سياسية قوية وتعاون بين دول الخليج وبين مصر وعدد من القوى الإقليمية الأخرى مما يؤدى الى وجود حالة من الاستقرار في منطقة الخليج.
ثالثا:الأهمية الاستراتيجية على المستوى الاقتصادى:-
لاشك ان منطقة الخليج العربى تحظى بأهمية اقتصادية بالغة ،خاصة مع تنامي الأهمية الاقتصادية والتكالب على الموارد الطبيعية وفى مقدمتها النفط والغاز،ناهيك عن ان اقطار الخليج العربى باتت تمثل واحدة من اهم الكتل النقدية في العالم،بسبب وفرة مدخراتها المالية التي تأتي من انتاج النفط وتصديره، اذن تعد منطقة الخليج العرب من المناطق الرئيسة في انتاج النفط في العالم،حيث يتم استخراجه من مناطق قريبة من سطح الأرض ،كما تتميز اباره بغزاره إنتاجها،إضافة الى نوعيته الجيدة وقربه من مناطق الاستهلاك.
وتهدف دول الخليج العربى الى تحقيق معدلات عالية في مجالات التنمية المستدامة،كما انها تسعى للمحافظة على اقتصاديات مستقرة وأسعار صرف لعملاتها ثابتة وتخفيض معدلات التضخم فيها وتحقيق عائد مناسب للاستثمار،والقيام بدور جديد في التجارة الدولية وخصوصا في مجال التجارة بين شرق اسيا واوروبا واميركا الشمالية،والوضع الجغرافى المميز لدول الخليج يمنح هذه الدول فرصًا كبيرة لتحقيق ذلك.
والملاحظ أن دول الخليج تعمل ومنذ مدة طويلة لتصبح اقتصاداتها أكثر تنوعاً بدلاً من الاعتماد الرئيسي على موارد النفط.وهى بذلك تسعى الى تنويع الأنشطة الاقتصادية وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا الى المنطقة بصورة متواصلة.
وعلى الجانب الاخر تتمتع دول الخليج العربى بالعديد من المقومات الاقتصادية التي تجعلها من اهم بلدان العالم من الناحية الاقتصادية وتتمثل اهم القدرات الاقتصادية في تلك الدول في توافر المواد الخام النفطية وقيام الصناعات العذائية التي تعتمد على الأسماك ومنتجات الالبان وتطورت تجارتها تطوراً عظيماً حتى غدت دبى مركزًا للتجارة والمتسوقين من دول العالم كافة،وتطورت الزراعة الى حد ما بسبب الظروف المناخية.وعلى الرغم من ذلك نلاحظ عدم وجود تقدم صناعى كبير مثلما هوالحال في الدول الصناعية الكبرى،وربما مرد ذلك الى ان تلك الصناعات تحتاج الى قدرات أخرى لدعمها مثل توافر العمالة الماهرة ووجود التكتولوجيا الصناعية المتطورة التي تنهض بها الدول الصناعية .
ولذلك تبرز دول الخليج العربى الان كأنموذج اقتصادي عالمي يشهد معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادى.
رابعا: الأهمية الاستراتيجية على المستوى الامني والعسكري:-
بحكم الموقع الاستراتيجي لدول الخليج أصبحت هناك أهمية عسكرية لمنطقة الجزيرة العربية استغلها القوى الدولية والاقليمية لاقامة قواعدها العسكرية والبحرية لتامين مصالحها الحيوية.هذا فضلا عن الاساطيل العسكرية القابعة بالمنطقة،نظراً لقربها من مناطق الصراعات الإقليمية كالوضع في العراق والصراع العربى الاسرئيلى ،وأيضا ما يخص الجهد الاميركي لمراقبة البرنامج النووي الايرانى.كل ذلك وغيرة جعل لدول الجريمة والخليج أهمية كبرى،مما أدى لربط امن الخليج العربى بأمن القوى الخارجية التي ترى ان المحافظة على مثالحها في الخليج العربى هو امتداد مباشر لامنها القومى في تجلياته الداخلية والخارجية.
وطبقا لتقدرات عام 2007 فقد بلغ حجم الانفاق العسكرى السعودى 18 مليار دولار وهو ما يعنى نسبة 10% من اجمالى الناتج المحلى البالغ 338 مليار دولار، فيما ارتفعت واردات دول الخليج العربية من الأسلحة في الفترة 2008-2013 بنسبة 23% مقارنة بما كانت عليه في الفترة 2004-2008. وتمثّل هذه المشتريات 52%من إجمالي مشتريات دول الشرق الأوسط مجتمعة. كما ان العديد من دول الخليج استثمرت أموالاً ضخمة في أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، كما أن «طلبيات ضخمة لطائرات مقاتلة» من بريطانيا والولايات المتحدة اللتين اختزلتا وحدهما 45 في المئة من إجمالي ما استوردته دول الخليج من السلاح، وهي نسبة يُتوقَّع أن تبقى على حالها في السنوات المقبلة.
وكذلك تعد السعودية هي الأولى عربياً والثالثة عالمياً في مجال الانفاق العسكرى والذى وصل الى 80 مليار دولار عام 2014.
وعلى الرغم من ذلك، يمكن التاكيد على ان منطقة الخليج اصبحت منطقة صراعات منذ 1980،وان التدريبات العسكرية وتكوين قوة عسكرية مشتركة وزيادة الانفاق العسكري لم يمكنوا دول الخليج من تحقيق امن ذاتى، بل ان العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة الاميركية قامت على معادلة ثابتة وهي “الامن مقابل النفط”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة