الانتخابات الأميركية ورداءة الخطاب السياسي

كه يلان محمد

بعد إعلان نتائج الإنتخابات الاميركية في الثلاثاء الكبير وتتويج دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة وإنشغال العالم بمراقبُة ماستسفرُ عنه العملية الإنتخابية ،وذلك نظراً لما تتمتع به الولايات المتحدة حتى الآن من مكانة إقتصادية في خريطة النظام الإقتصادي وماتمتلكه من ترسانة عسكرية كبيرة فضلاً عن تفوقها على المستوى العلمي وما تحرزه من التقدم المستمر على الصعيد التكنولوجي ،ماشهدُه السوق المالي الأمريكى حالة من التذبذب عقب تقارب شعبية المرشحين،يبدو أنَّ بعض الدول لاتستوعب هذه المفاجأة إذ تطلع معظم قادة العالم والنخب السياسية إلى نتيجة مُعاكسة، بل أعلنت المؤسسات الإعلامية الاميركية حرباً لاهوادة فيها ضد الرئيس المُنتخب لكن نجح دونالد ترامب في نهاية المطاف كسب ثقة الأغلبية الساحقة وبذلك يصبح ساكناً في البيت الأبيض فبالتالي ممسكاً بدفة دولة عظمى ،على الرغم من إقرار بعض المحللين بأنَّ كلا من هيلارى وترامب لايمتلكان حلولاً لمشكلات داخلية وعالمية غير أنَّ ثمة مايحفز المُراقبَ على تتبع المشهد الإنتخابي وماأعطى الخصوصية لهذا الصراع الإنتخابي ليس وجود شعارات جديدة أو مشاريع واعدة بإيجاد الحلول في أجندة الخصمين بل كون شخصية دونالد ترامب آتياً من خارج المؤسسة النخبوية ويتبنى مايوصف بالخطاب الشعبوي كما أن هيلاري كلينتون هي أولُ مرشحة في تاريخ اميركا تدخلُ في حلبة المُنافسة الرئاسية،بجانب كل ذلك تجري الإنتخابات الاميركية في ظل تواتر التوقعات حول إنكماش دوراميركا وعدم رغبة الجانب الاميركي في التدخلات المباشرة داخل المناطق الساخنة ما أتاح الفرصةَ للقوى الأُخرى لتبادر في توسيع نفوذها وتقبض على ملفات معلقة وتطرحُ بشأنها آلية لمُعالجتها ،الأكثرُ من ذلك فإنَّ هناك جانباً آخر في حملة الإنتخابية الاميركية لايصحُ القفز عليه وهو تدني مستوى الخطاب السياسي،إذ وصل الأمرُ بالمرشحين إلى كيل إتهامات سمجة ضد بعضهما وأحياناً تبدو المصطلحات المتداولة في معجمهما كوميدياً ممجوجا، كما يتبين ذلك في إتهام ترامب لمنافسته بأنَّ الأخيرة تتعاطى المُنشطات قبل حضورها في المُناظرة، إذ تتحمس في البداية وتظهر نشيطة ولكن كلما تقترب المُناظرة من فقرات ختامية تفقدُ هيلاري قدراتها وإندفاعها بالمقابل سددُت المرشحة الديموقراطية الخاسرة إتهامات قاسية إلى غريمها واصفة إياه بدمية الرئيس الروسي كما وظفت عثراته وتصريحاته البذيئة بحق النساء في تجمعاتها الجماهيرية لكن قد يهون كل ذلك بجانب ما صرح به دونالد ترامب حول نزاهة الإنتخابات الاميركية فصاحبُ التصريحات المُثيرة قد أبدى شكوكه بنتائج الإنتخابات وأكد على عدم إستعداده القبول بما تقرره صناديق الإقتراع ،بالطبع أن هذا الموقف وضع التجربة الديموقراطية الاميركية على المحك كما لايمرُ من دون أن يترك تبعات على موقع الولايات المتحدة وإرثها التاريخي فكانت النقاشات الجادة حول البرنامج الإقتصادي والسياسة الخارجية والرعاية الصحية شحيحةً في المُناظرات الثلاث إذ ظل التنقيب في السجل الأخلاقي هماً أساسياً بالنسبة للمرشحين مادفع بالمُتابعين لوصف الحملة بالفضائحية وبذلك تتبدى الولايات المتحدة في صورة دولة حديثة العهد بالديموقراطية خصوصا عندما تكتظ خطابات المُرشَحين بمفردات فجة لاتعكس إلا تراجعاً في الثقافة والسلوك السياسي ،وهذا مايُحَمِلُ المهتمين بدراسة الأسباب الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وراء تصاعد الخطاب الشعبوي والإنحطاط في اللغة السياسية وعجز الحزبين في تقديم انموذج يحمي مصداقية الولايات المُتحدة بوصفها ممثلة لقمة ماوصلت إليه البشرية من التطورفي كل المجالات كما زعم المفكر فوكوياما ،هنا لامناص من طرح سؤال هل نشهد مرحلة آفول الانموذج الاميركي ولم تعد الولايات المتحدة موطناً للأحلام ؟ لايُمكنُ الجزم بالقول بأنَّ الانموذج الاميركي سيتلاشى تماماً وتحلُ دولة أخرى مكان الولايات المتحدة الاميركية في قيادة العالم لأنَّ المُعطيات الواقعية لاتؤيدُ هذا الرأي لكن ماتتوصل إليه إستناداً لما يقدمه مرشحاً الحزبين الديموقراطي والجمهوري أن الولايات المُتحدة لم تَعدْ قادرة على صياغة انموذج جديد في المرحلة الراهنة أضف إلى ذلك هناك إدراك لضرورة إعادة النظر في الحسابات الاميركية وتحديد المحاور التي يجبُ أن تأتي على رأس إهتمامات الساسة الاميركيين،لذلك يُخطىء من راهنُ على مرشح بعينه وإعتبره مالكاً لمفاتح الحل لمشكلات الشرق الأوسط إذ لايستحي بعض الخبراء الأمركيين من الإعتراف بأنَّ أزمات العالم تحتاج إلى تضافر القوى المتعددة لحلها أو تقليل من مخاطرها،كما فضلت إدارة أوباما الخيار الدبلوماسي لحلحلة جملة من القضايا الخلافية مع الدول التي كانت مدرجة ضمن محورالشر ولايُتوقع أن تعود الإدارة الاميركية المقبلة إلى نهج جورج بوش الإبن بل يواصلُ ترامبُ سياسة توزيع المسؤولية لأدارة الأزمات ،من هنايتحتم وجود قراءة واقعية لدور الولايات المتحدة في ظل الإدارة القادمة إذ لايفهمُ تصرف بعض الجهات في وضع كل بطاقاتها داخل السلة الاميركية في حين تنفتح اميركا نفسها على كل الدول بمافيها الدول التي لاتجمع بها علاقات الود والصداقة،هناك شبه إجماع لدى المُراقبين على أن كلا المرشحين الفائز الخاسر منهما والفائز أيضاً ليس لديهما ما يثبت جدارتهما بالدخول إلى البيت الأبيض ولا يمتلكان مواصفات مميزة كما أن الحملة الإنتخابية نزلت إلى حالة من الإسفاف عقب تراشق المرشحين لتعابير جارحة . ربما لم تشهد الديموقراطياتُ العريقة إتهام أحد المرشحين لخصمه بالجاسوسية والعُمالة لدولة أخرى،تعاظمت المخاوف على المستوى العالمي من فوز المرشح الجمهوري بحيثُ نادراً ماترى دولة حبذتْ أن تصل نتائج الإنتخابات بترامب إلى سدة الرئاسة الاميركية حتى داخل الحزب الجمهوري كان هناك إنقسام حاد حول مرشحهم في حين إستمرت مساع حثيثة لإظهار هيلاري كلينتون كوجه اميركا المشرق وحافظة لإرث الآباء المؤسسيين وفاتحة الدرب لبنات جنسها النساء في مجال العمل السياسي وهي تحملُ هموم الطبقة الوسطى المترنحة بيد أنَّ كل هذا لم يُخف هفوات هيلاري لاسيما فيما يتعلق بقضية تسريب رسائل البريد الألكتروني إذ إعادة فتح الملف من جديد قد أربكت مسار حملتها الإنتخابية ساد إعتقاد على نطاق واسع بأنَّ الإنتخابات الاميركية ستُنتهي لصالح المرشحة الديموقراطية ومنشأُ هذا الإعتقاد يتمثلُ في عدة أسباب أولاً كون هيلارى كلينتون أول مرشحة رئاسية ،ثانياً لايحظى دونالد ترامب بالتأييد على المستوى العالمي فهو شخص غير مرغوب فيه ولايتمالك أعصابه فبالتالي لايصلح لقيادة بلد بحجم الولايات المتحدة الاميركية غير أن ماوقع فى حملة الإستفتاء البريطاني للتصويت على قرار الخروج أو البقاء في الإتحاد الأوروبي قد تكرر في الإنتخابات الاميركية يوم 8/11/2016 إذ ماوقع عليه قرار الناخب الاميركي خالف كل إستطلاعات الرأي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة