مفهومة «شيَاطين الشّعر» والإبداع الشّعري

حامد عبدالحسين حميدي

من المفهومات التي استوقفتني في الادب العربي، مفهومة ( شياطين الشعر) وما دار حولها من حكايات سردت على السُن الشعراء الذين أكدوا تلك المفهومة شعراً حتى ان بعضهم راح يعزو أن الشعر هو من تلكم الشياطين والجن او ما يطلق عليه مصطلح (القرين)، وهي التي تهبه وتمنحه هذه الملكة. ورويت عن ذلك جملة من الروايات والقصص والمغامرات الغريبة، وذكر اسماء الشياطين والجن ووادي عبقر، وراح كل شاعر يفخر ويلهو عبثاً، ويفرد لنفسه شيطاناً خاصاً به، ولو سلمنا الامر لمثل هذا المعتقدات والعادات لنفينا عن انفسنا وعن شعرائنا الابداع وموهبة الشعر، ولجعلنا سمة الشاعرية منسوبة لتلكم الشياطين فقط، ولاصبحنا مجرد رواة وناقلين عنهم، ولا فضل لنا في نظم الشعر عندئذ.. ولا عجب ، حينما نرى ان الكثير من الادباء الكبار- عامة- والشعراء – خاصة – قد انجرفوا وخاضوا في هذا المضمار وبيان مدى علاقتهم مع الشياطين…
فما المسوغ الذي جعل الشعراء والادباء.. يتمسكون بهذا المعتقد؟
ذكر في كتب الادب ان لكل شاعر شيطاناً مصاحباً له، فامرؤالقيس شيطانه اسمه لاقط بن لاحظ ، والأعشى شيطانه ميمون بن بصير، وطرفة بن العبد شيطانه اسمه عنتر بن العجلان، وقيس بن الحطيم شيطانه اسمه ابوالخطار، والنابغة الذبياني شيطانه اسمه صاذر بن ماهر، وعبيد بن الابرص شيطانه اسمه هبيد بن سلطام …. الخ .
تعود الى الشاعر نفسه كونه يمثل الجهة الملتصقة بالشيء الاخر… الشعر محور استقطاب، والشاعر قطب موجب والشياطين قطب سالب ليس إلا، حاول الشاعر نفسياً ان يحفز المتلقي الى انه واقع تحت تأثير انعكاس لقوة خارجية تمنحه القدرة الفوقية في قول الشعر، لذا عمد الى تغيير اسس المعادلة، ليهب هو قطبه الموجب للشياطين ويترك لنفسه القطب السالب، رغبة منه. وليجعل المتلقي عاجزاً عن فهم المضمون التفاعلي ما بين الاثنين، ولتنتظم سلسلة من التعددية لهذا المعتقد بين الشعراء أنفسهم، فالكل مجبولون على صياغة المفهومة بطرائقية مبهمة وتحت دياجير خفية، يبررون حسب شياطينهم. وهذا الامر ليس مقتصراً على الشعراء العرب بل نجد ان الكثير من ادباء الغرب- أيضاً – ذهبوا الى هذا المسلك لكن بحسب رؤيوية قريبة مما قرأنا عنه، ويقول جوته: إنه كتب أحسن رواية له وهو في غيبوبة حالمة يشبهها بحالة النائم الماشي. وكثير من الأدباء صرحوا بهذا، فمثلا / بروفسور هوسمان يقول في طريقة إنتاج قصائده: (أنا أظن أن إنتاج الشعر ليس عملية فاعلة قدر ما هي قابلة وغير اختيارية(. اذاً / العقل البشري عقل طفولي حالم وحافل بالخيال والأساطير والخرافة، لا يمكنه ان ينسلخ من حاضنه الطبيعي/ خيالاته التي تشدّه الى عالم مصطنع لا يقوى على التخلي عنه… لأنه جزء منه، ولان عالمنا الواقعي عالم مثقل بالأحداث المتسارعة/ المتصارعة والساخنة والتي ترهق اذهاننا بأثقالها ، فهو عقل يؤمن بالسحر والشعوذة منذ العصور المنصرمة وما زال يتمسك بها بحسب المعتقدات المتوارثة. وليس غريباً ان يتسم ويتأثر الشاعر من هذا الباب ..لذا عمد الشعراء الى هذا لإضافة نوع من التضخيم والمهابة والتبجيل لهم ولما ينظمونه، ولتعجيز المتلقي عن الاتيان بمثل ذلك او مجاراتهم.. ليكون الشاعر حرّاً طليقاً فيما يقوله وينظمه، جاء عن الثعالبي (ت 350هـ) قوله: «وكانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقى على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه، وتعينها عليه، وتدعى أن لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه، فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود، وبلغ من تحقيقهم وتصديقهم بهذا الشأن أن ذكروا لهم أسماء…إلخ «. وجاء عن الأصفهاني (ت 502 هـ) قوله: «ادعى كثير من فحول الشعراء أن له رئياً يقول الشعر بفيه، وله اسم معروف…إلخ». وصيغتا «الإدعاء، والزعم» توحيان بالإخبار لا على وجه الحقيقة، ودرجة الصدق فيهما ضعيفة.
لا أرى اي ارتباط او علائقية للقرين او الشيطان فيما ينظمه الشاعر المبدع، لان الابداع مقترن بملكة الالهام النظمي للشعر، وهي ملكة لا يمكن لاي انسان الاتيان بها الا المبدعين أنفسهم، لانهم يمتلكون قدرات وطاقات/ شحنات مكثفة من الإنتاج، ولأن الشعر حالة خاصة بصاحبه.. لا دخل للقرين في ذلك، فالشعر شيء يجيش في الصدور فتقذفه الالسن، كحالة طبيعية لبيئة عرفته ومارسته بإبداعها المتجذّر/ المتجدّد.

*ناقد عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة