إقليم كردستان بين الوعود المعسولة والمآلات الضبابية

خلال الملتقى الذي نظمته مؤسسة ميري مؤخرًا في اربيل، فجر وزير الموارد الطبيعية آشتي هورامي في كلمته «قنبلة» مخيفة اعطت الانطباع بأن كل الطرق المؤدية لحل الازمة المالية التي تعصف بالاقليم مسدودة، اذ قال انه حتى لو بلغ سعر برميل النفط الخام 100 دولار فأن الوضع المالي للاقليم لن يتحسن. يعني ذلك انه حتى لو اتيح للاقليم ان يصدر ما مجموعه مليون برميل من النفط الخام يومياً وبسعر 100 دولار للبرميل و انه حتى لو حصل الاقليم على موارد شهرية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، فأن ذلك لن ينقذ الاقليم من ازمته المالية وان الوضع يظل سيئاً. يمكن لمقارنة بسيطة ان توضح مدى تفاقم الازمة في الاقليم. فقبل عام 2010 كان الاقليم يدبر شؤونه وعلى الوجه الاكمل بالاعتماد على اقل من مليار دولار في الشهر، بالاستناد الى حصته البالغة 17% من ميزانية العراق. وفي الفترة من 2003 حتى 2014 لم تبلغ ميزانية الاقليم الشهرية ثلاثة مليارات دولار ابداً.
في 15 تشرين الاول 2013 وفي لقاء مع صحيفة «روداو» زف آشتي هورامي بشرى سارة الى مواطني الاقليم قائلا انه متى ما بلغ حجم التصدير من النفط الخام في عام 2015 مليون برميل في اليوم، ستحصل كل اسرة في الاقليم على 1200 دولار. وبعد مضي سنتين على هذا التصريح، قال هورامي في تصريحات نشرتها INA في 18 تشرين الثاني 2015 ان الحكومة لم تدفع رواتب ثلاثة شهور للموظفين حتى تشرين الثاني 2014، لكنه اكد بنبرة يسودها التفاؤل على حل المشكلة في عام 2015 وقدم وعداً مزدوجاً، قال في الشطر الاول منه انه سيعالج العجز بحيث تتمكن الحكومة من دفع الديون المتراكمة عليها لموظفيها، وزاد على ذلك بالقول ان الحكومة سيصبح في مقدورها دفع رواتب الموظفين في مواعيدها. وقال في الشطر الثاني انه سيدفع مستحقات شركات النفط العاملة بالكامل او في الاقل اغلبها. وفي تلك الفترة، كانت الحكومة مدينة لشركات النفط ما مجموعه ثلاث مليارات دولار.
وبالطبع فأن اياً من هذه الوعود لم يتحقق. وتوضح التصريحات الاخيرة لوزير الموارد الطبيعة ان الوزارة لا تملك خطة عمل ناجحة. وفي تلك التصريحات لم يترك هورامي اية فرصة لرؤية بصيص من النور في نهاية النفق، يضاف الى ذلك انه اعترف كذلك بأن وزارته بددت الخزين الاستراتيجي للمال العام في مشاريع استثمارات خاسرة في مجال النفط والغاز داخل الاقليم.
ان كل هذا لا يعني الا شيئاً واحداً، وهو ان المسألة لا علاقة لها بانخفاض سعر النفط عالمياً قدر تعلقها بالسياسة الخاطئة لوزارة الموارد الطبيعية.
لا احد ينكر ان هورامي يعد مهندس السياسة النفطية في الاقليم وان وزارته تشرف على الملف النفطي منذ عام 2006، وهو العام الذي تولى فيه هورامي حقيبة الموارد الطبيعية في الاقليم. بالمقابل، لا احد ينكر كذلك ان الاقليم الذي كانت وزارة الموارد الطبيعية تفتخر بأنها قد وضعته على خريطة الطاقة العالمية، هو الاقليم نفسه الذي يئن الآن تحت وطأة الازمة المالية ويدفع ثمن السياسات الخاطئة لهذه الوزارة. يعود اصل الازمة الى المقدار المبالغ فيه للتفاؤل الذي ابدته وزارة الموارد الطبيعية، وكذلك الى سذاجة الحكومة التي انخدعت بتلك الوعود الخلابة. والحال، ان البلدان لا تبنى بالاحلام الوردية ولا على يد الحكومات المخدوعة، بل تبنى بالخطط المحكمة والعمل الدؤوب.
اسوأ ما في الامر هو ان وزارة الموارد الطبيعية هي اكثر الوزارات تأثيرًا على عملية صنع القرار في حكومة الاقليم. فقد ترك تأثيرها الفعال اثارًا مدمرة على العلاقة بين اربيل وبغداد وجعل العلاقة بين اربيل وانقرة علاقة تبعية، كما اثر حتى على العلاقات القائمة بين الاطراف السياسية في الاقليم. ختاماً، لابد من الاقرار بأن هورامي اضطر في تصريحاته الى ان يكون صادقاً، اذ ان السياسات الخاطئة لا تعطي سوى نتائج سيئة، كما ان الاستمرار في السياسات الخاطئة لاينتظر منها غير نتائج اسوأ. وهو ما يدفعنا الى القول ان الوضع المزري الذي يعيشه الاقليم يستدعي تفكيك «القنبلة» المخيفة.
فريد اسسرد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة