الأخبار العاجلة

تركة العهود السابقة الثقيلة والفوضى السياسية في العراق

أحدثت شروخاً كبيرة في النسيج الاجتماعي
ترجمة: سناء البديري

في دراسة نشرها الدكتور « بين فيليب « وعدد من الباحثين فيما لو كان الحكم الطائفي هو سمة الحكم المستقبلي للعراق اشاروا الى « إن الأنظمة السابقة التي حكمت العراق لم تترك تأثيرها السلبي فقط من خلال الخراب والدمار للبنية التحتية، والتعذيب والقتل لأبناء الشعب، والدخول في مغامرات عسكرية خاسرة.. بل إن من أكثر التأثيرات خطورة لهذه العهود هو ما تركته من شرخ كبير في النسيج الاجتماعي العراقي، وطبيعة العلاقة المتبادلة بين المكونات الاجتماعية المختلفة، حتى باتت هذه العلاقة يشوبها الكثير من التأزم والتنافر والشك وعدم الثقة مما انعكس على طبيعة الاندفاعات السياسية لديها. وللخروج من هذا الواقع الاجتماعي غير الصحي.»
كما اشار فيليب الى اهمية التنوع بين مكونات الشعب العراقي الذي يعد عامل إثراء وقوة للفعل السياسي لابد من العمل المخلص والدؤوب من قبل النخب السياسية الممثلة لهذه المكونات لترسيخ وتعزيز مبدأ التعايش السلمي وخلق منظومة قيم معتدلة تكون بديلا للمنظومة الحالية المتأزمة في كثير من مفاصلها، وقد أثبتت السوابق التاريخية في البلدان التي عاشت تجربة الشعب العراقي نفسها انه من دون ترسيخ مبدأ التعايش السلمي لن يكون هناك استقرار سياسي أو امني، ولن يكون هناك نهوضاً اقتصادياً ومجتمعياً، كما لا يمكن لطرف ما عد نفسه رابحاً وغيره خاسراً بل إن جميع الأطراف ستكون خاسرة في لعبة شد القوى بين الطوائف والقوميات المتنازعة.»
كما اشار فيليب الى ان « الديمقراطية الحقيقية في العراق كانت من المفروض ان تقوم على أساس الأغلبية الناتجة عن تنافس سياسي نزيه من خلال انتخابات حرة وعادلة، كما ان العراق ما زال في بداية الطريق نحو هكذا ديمقراطية وهو طريق يتحدد مداه الزمني ببراعة القائمين على الحكم ومقدار رغبتهم في بناء دولة مدنية صحيحة، وعدم وجود مثل هذه الديمقراطية، بل وعدم وجود الوعي الشعبي والنخبوي الدافع باتجاهها هو ما جعل العملية السياسية تتمحور منذ عام 2003 ولحد الآن على ما يسمى بالديمقراطية التوافقية والتي غالباً ما فشلت النخب السياسية في اللعب وفقاً لقواعدها وأحكامها , وهذا ما يؤكد تماماً ان العقلية الطائفية في الحكم ستمضي حتى لأكثر من خمسين سنة مقبلة أخرى .»
كما اشار الى ان « التمييز الطائفي والإرهاب هما شكل إرهابي واحد، وان العمل الطائفي الذي يقع تحته العراق الآن هو في أكثره نتيجة لمصالح بعض السياسيين الذي يرون فيه خدمة لهم لتفعيل قراراتهم داخل العمل السياسي على حساب المواطن العراقي، على أنّ هذا الشكل من أشكال الإرهاب كان دافعاً مهماً لظهور ظاهرة العنف الطائفي في العراق، ومن ثم له تأثيرات مهمة على التماسك الاجتماعي العراقي، إذ ساعدت بعض (الكيانات السياسية) أو الأفراد على ازدهار الإرهاب كشكل للعنف بل أيضاً يمكن القول إن هناك ظروفاً خاصة بهذه المنطقة جعلتها أكثر خصوبة لازدهار هذه الظاهرة.»
كما شدد فيليب ان « السياسة في الماضي وراء تأجيج الصراع الطائفي، فإنها اليوم اشدّ وضوحاً من الماضي، فقد شكل التنوع العرقي والديني والثقافي في العراق فرصة لسلطات الاحتلال الأميركي بعد عام 2003، لفرض حالة من التنافر بين مكونات المجتمع العراقي من خلال دفع تلك المكونات لعدم تقبل الرأي الآخر على أسس المواطنة والتعايش السلمي وقبول الآخر، وحل الاختلافات بالعنف وليس بالحوار والتفاهم، وذلك بغية زعزعة السلم الأهلي وتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي، وإشاعة بيئة من العنف والصراع والاحتراب بين أبناء الوطن الواحد، مما هدد التعايش والسلم الأهليين، وبالتالي وحدة النسيج الاجتماعي العراقي التي تشكل شرطاً «موضوعياً» من شروط بناء الدولة المدنية ومؤسساتها الدستورية والديمقراطية.»
كما اكد منذ تبلور ملامح العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، سارع العديد من السياسيين للترويج لثقافة الطائفية والعنف بغرض فرض نمط حياة معينة، على المجتمع العراقي تتسم بالتخندق الطائفي والعشائري والمناطقي، بسلوك وممارسات عفا عليها الزمن، و التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة والتقليدية ومحاربة أي رغبة في التجديد، أو أي شكل أو نمط للتغير، وإزاء الانغلاق والفوضى والعنف وعدم التسامح الذي يسود المجتمع، وبرغم بعض الإرهاصات الجادة هنا وهناك لتدعيم السلم الأهلي والأمن الاجتماعي وتعزيز سيادة القانون، إلا أن الواقع يشير إلى تفاقم مظاهر العنف والفوضى الأمنية، مما يهدد تماسك المجتمع وأمنه وسلمه الاجتماعي.» كما اوضح ان « لإدارة الاحتلال الأميركي اليد الطولي في الفوضى السياسية التي شهدتها العملية السياسية وطبيعة تشكيل النظام السياسي الذي تشكل على أساسها، الأمر الذي هدد بنحو واضح وجلي السلم الأهلي في العراق، و كانت لهذه المحاصصة الطائفية تأثيرها وتداعياتها على السلم الأهلي والأمن الاجتماعي والتي اتخذت أبعاداً « سياسية واجتماعية واقتصادية»، حيث أن الدستور العراقي الذي جاء مليئاً بالفخاخ والهفوات والسلبيات التي أساءت إلى تجانس ووحدة الرؤى السياسية، انعكست أثاره حتى على النسيج الاجتماعي العراقي مما شكل الاختلاف وعدم الاتفاق على عدد من فقراته عامل تهديد للسلم الأهلي.»
كما اختتم فيليب حديثه ان « أفضل الرجال ليسوا أولئك الذين يكتنزون الأموال أو يستحوذون على السلطان، أو يقودون الجيوش والأعوان، بل إن أفضلهم هم أولئك الذين يديرون الحكم في بلدانهم بحكمة ومعرفة ومهارة تسمح ببناء نظام سياسي صالح يحقق السعادة للشعب ويستمر في الوجود طويلا بعدهم , ويتضح أن إدارة الحكم في العراق ليست أمراً سهلا بحيث يمكن تركه للمصادفة والمغامرات السياسية الطائشة وغير الواعية، بل هو عملية معقدة وصعبة وكثيرة التحديات والمخاطر، تحتاج أن يتصف الساسة فيها بمستوى عال من الوعي الاستراتيجي الذي يؤهلهم إلى أن يكونوا رجال المرحلة بالنسبة لشعبهم لقيادته إلى شاطئ السلم والأمان والرفاهية من خلال بناء الدولة المدنية التي تحتوي كل أطياف الشعب، وتضمن تحقيق كل طموحات وأحلام أبنائه.»

* عن مركز واشنطن للدراسات والبحوث الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة