«قادسية أردوغان» والعراق

إسماعيل زاير
مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية الخامسة والأربعون نكون قد دخلنا في منطقتنا العربية والشرق الأوسط عموماً مرحلة أكثر حساسية مما سبق.. فالأردوغانية التي بدت منفلته من أي سيطرة أو لجم ستواجه إدارة تتعارض تماماً في تعاطيها مع ملفات منطقتنا، ولا سيما تلك الملتهبة منها. وملف العراق وعلاقاته مع أنقرة في مقدمة ما سيتعرض للمراجعة. كما أن الوزن النوعي للعراق في المرحلة الجديدة من إدارة ترامب الجديدة تغير نحو الأفضل ولا سيما أن التحسن هذا ارتبط بتحسن علاقات ترامب وإدارته مع مصر السيسي. أي أن حلفاء أردوغان وفي مقدمتهم السعودية وقطر ودول الخليج بمجملها سيعانون أكثر من السابق. نحن في ملحقناهذا سنبرز بعض الملامح المعنية بالتقصيرات التي يمكن وصفها بالقاتلة أحياناً وفي المقال التالي نجسد بنحوٍ محدد ماهية بعضها والمخاطر التي تترافق معها. إن المخاطر الحقيقية والملموسة لسياسات أردوغان لا تضر بنا فحسب بل أيضاً تضر بالشعب التركي الذي بدأ يعاني من معضلات شتى. أبرزها انخفاض سعر العملة التركية إزاء الدولار والعملات الأخرى وهبوط هائل في معدلات السياحة التي تركت المناطق السياحية فارغة ومقفرة وملفات أخرى مماثلة.
خلطت السياسات المثيرة للدهشة التي اتبعها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مؤخراً الكثير من المعادلات المحلية والاقليمية وايضاً المعادلات الدولية على صعيد الولايات المتحدة الاميركية والإتحاد الاوروبي . على الصعيد المحلي الداخلي يبدو ان مسار الديمقراطية التركية التي كانت موضع تقدير واحترام من قبل الأطراف القريبة على حزب العدالة الذي يعد صيغة متقدمة من تنظيم « الاخوان المسلمين « اصبحت موضع شكوك كبيرة بعد الخامس عشر من يوليو وما وصف بأنه مؤامرة انقلابية عاملها اردوغان بشدة مبالغ فيها وابعد مما توقع المراقبون المحليون ، بل الشركاء بالأحرى مع اردوغان . عطلت الخطوات والقرارات الإنتقامية الواسعة النطاق عمليات التواصل مع اطراف كان لها ادوار في تبريد الخلافات مع حزب العمال الكردستاني بل الوعد بإحلال سلام عزيز ونادر المثال بين الدولة التركية والحزب المعارض الذي امتدت خلافاته الى عقود عديدة ماضية . وايضا خربت القرارات الإنتقامية العلاقات مع اكثر الشركاء الاتراك لأردوغان الشيخ المنفي فتح الله غولين . كما زلزلت هذه القرارات اركان الجيش التركي واللجان المحلية والمجالس الحاكمة والمنتخبة . فقد مست القرارات والسياسات جوهر القلب الفاعل في المؤسسة العسكرية التي فقدت ثلث جنرالاتها وألافاً من الضباط من جميع الصنوف .
الحملة التي بدأت منذ الخامس عشر من تموز لم تتوقف بل انها تضاعفت وزادت حدتها الى درجة انها شملت مئات الآلاف من الموظفين والقضاة والقادة الاقليميين . كما مست تلك التوجهات العلاقة مع واشنطن التي اصر ويصر اردوغان على ان تسلمه الولايات المتحدة غولين لمحاكمته بتدبير المؤامرة الأمر الذي لم يثبته للقضاء على أي مستوى .
اوروبياً تنعكس سياسساته المتشددة تجاه المطالب الكردية على آمال الاتراك بالإنضمام الى الإتحاد الذي ظل حلماً مؤجلاً . الإنعكاس هذا جاء لسببين هما ان انضمام تركيا لا يمكن ان يحصل الا بعد تسوية خلافات مع الاكراد وهو شرط اساسي لكل دولة ترغب بالانخراط في برنامج الشراكة مع اوروبا . اما السبب الثاني فهو تراجعه عن الغاء حكم الإعدام في البلاد تنفيذاً لشرط ثانٍ من شروط الإنضمام الى الإتحاد . وكان تجاوبه مع الدعوات الاوروبية برفض اعدام عبد الله اوجلان ، زعيم حزب العمال الكردستاني المقبوض عليه بمساعدة اسرائيلية .
ولكن كل تلك التراجعات والخيبات لم تثن اردوغان عن سياساته ونزعاته المتطرفة كما يعتقد المراقبون ، فقد اتبع فيما يتعلق بالنزاعات الخطيرة الناشبة في سوريا والعراق نهجاً خطراً جداً ينطوي على استخدام القوة العسكرية والتدخلات المساحة التي حاولت واشنطن ومن ثم روسيا كبحها . ولكنه بصدد العراق قام بشكل متواصل بدس انفه في الوضع الداخلي العراقي الحساس واصبح احد الأطراف المتورطة بتشجيع وتمويل وتسليح قوى عراقية لها برامج غير مقبولة من قبل البيئة العراقية والدولة الاتحادية العراقية . فناهيكم عن تورطه بمسلسل تصدير النفطي غير الشرعي مع اقليم كردستان ودخوله الى الاراضي العراقية واقامة اكثر من عشرة معسكرات في الإقليم برغم ارادة بغداد ، يبدي اردوغان وحكومته توجهات خطيرة تمس السيادة العراقية وتعبر عن اطروحات عفا عليها الزمن من قبيل تجديد النفوذ العثماني على محافظة الموصل وكركوك . كما ان تسليحه لبعض الميليشيات المتمردة على البلاد مثل ما يقوده اثيل النجيفي من داخل معسكرات بعشيقة التي تحتلها دبابات اروغان تعتبر عقبة كبيرة وملتهبة قد تؤدي الى اندلاع حريق وحرب اقليمية بين العراق وتركيا .
ومع ان العواصم المؤثرة تمارس ضغوطاً مكثفة على اردوغان الا ان الحماس الزائد له يطفو في اكثر الاحيان على السطح ويلون المسارات المنطقية القديمة ببعض تلاوين مثيرة للقلق . ولا بد ان اردوغان يدرك ان ليس بوسعه ان يلوي اليد الاميركية او الاوروبية من خلال التشدد بتمسكه بمطالبه المثيرة للدهشة وفي مقدمتها محاولته اجبار العواصم الغربية على الاذعان لمطالبه بتسليم مطلوبين مزعومين الى حكومته التي يرى الكثير من الحكماء انها فقدت ميزانها الديمقراطي المعقول .. بل ان اصواتاً عديدة بدأت تشعر ان اردوغان يستعمل ذريعة انقلاب الجيش لممارسة خطط خاصة به بل يتهمه البعض بإنه ربما يكون متورطاً بصناعة ذلك الانقلاب . ولهذا فإن تركيا التي نظر اليها الكثيرون بأنها قد تكون الخميرة المحلية لنمط شرقي ناجح للديمقراطية اصبحت اليوم قوة شبيهة بالقوى الدكتاتورية . وتحولت من « إحدى القوى الإقليمية الصاعدة والمؤثرة في جوارها والساعية أيضا لتحصيل مكانة دولية لائقة في نظامٍ دولي تُوحي أحداثه الكبرى بمعالم تحول بنيوي بات واضحاً لمعظم باحثي العلاقات الدولية» الى قوة عرقلة وتصعيد اشكالي مغامر لا ملامح عقلانية فيه .
وهكذا نرى ان تعبيره عن التذمر من تعطل مسار الإنضمام للإتحاد الأوروبي ينتهي بتلويحه إلى إمكانية التوجه بعيدًا عن الغرب، مع ان هؤلاء اكدوا انهم ليسوا مستعدين لفقدان حليف إستراتيجي كتركيا في تنافسهم الأكبر مع القوى الاقليمية الصاعدة، ولم تثمر محاولاتهم المتكررة بتذكير القادة الأتراك عبر رسائل مختلفة الشكل أنّهم محدودي الإرادة السياسية وأنّهم في حاجة دائمة للحليف الأميركي التقليدي إذا أرادوا أن تبقى تركيا بلداً مزدهرًا من الناحية الإقتصادية وقِبلةً للسياح عبر العالم.
ان ازدياد الملامح النشاز في مواقف وسياسات انقرة تقربه من ملامح الدول المهزومة في الجوار الاقليمية كنظام صدام والنظام الليبي وغيرهما . فالعشوائية والارتجال اصبحا سمة مميزة لما تتخذه حكومة اردوغان والتي صدعت رؤوس القادة في العالم طيلة حكمها المؤلم والتعسفي . اليوم تمتهن شرطة اردوغان خيارات التعسف المفضوحة وتعتقل كل يوم مئات المواطنين الجدد وتتهمهم بعد اعتقالهم بتهم مضحكة كإهانة الرئيس تماماً كما كان صدام حسين يفعل بخصومه .
ولكن المخاطر والخسائر المرافقة لتلك السياسات لا تقارن بما يحصل على المسرح العراقي . فأردوغان ينطلق من اطروحات شوهاء كولونيالة عن العراق وسوريا ويحاول ان يفرض على حكومتيهما اللتين تصارعان لإستعادة الأراضي والسيادة وليهدد العراق الواقع تحت ضغط الارهاب ويسب زعماءه في انتصاره لبعض اللصوص والقتلة المنجذبين اليه لدواع طائفية واستعمارية بحتة . ويقول علناً في خطاب موجه الى رئيس وزراء العراق « انا اقوى منك وانت ضعيف وانا قوي « وغيرها من الترهات السخيفة والسقيمة وينسى ان صبر الرجل يتسع ، في محاولة الاصطدام العسكري مع الجيش التركي اليوم ، لتحمل هذه الاهانات المرتدة على صدره وعلى نظامه . والحقيقة ان حكمة الحكومة العراقية تستحق كل تقدير ويرى بعض المحللين ان الظروف الحساسة والمعقدة التي يمارس اردوغان سياسته في ظلها قد تنتهي بالمزيد من المقاومة الشعبية في تركيا وقد تنتهي به الى العزل او الإنهيار . وهذا بالنسبة لنا امر مؤسف لأنه شعب تركيا الجار الذي ابتلي بهذا الحاكم الخطير .
ان ممارسات اروغان تذكرنا بسياسات صدام المتخلف والمتغطرس الذي صم اذنيه عن نصائح كل المخلصين للعراق ومساعيهم لتخليص العراق من سلسلة المغامرات الحمقاء التي اقترفها ودفع العراق بسببها الى ادنى مستوى . فصدام المنتشي بلاظروف الخاصة وعلاقاته مع الغرب اخترع « قادسيته الخاصة « ووسمها بإسمه ويبدو ان اردوغان يريد ان يخترع « قادسية « جديدة على النمط التركي وتسمى « قادسية اردوغان « ؟ !.
في السياسات الدولية ليس ثمة كبير الا من خلال تواضعه وحكمته وحرصه على شعبه ، اما اولئك المتبجحون بعظمة زائفة فليس امامهم الى ان ينتظروا ، وهم يناطحون صخرة الواقع ، لحظة سقوطهم وخروجهم من الواقع الى مزابل التاريخ . وسيدرك اردوغان ان النجاحات الكبرى للجارة تركيا انما حصلت بسبب حكمة البقية من زعماء تركيا العقلانيين .
ستنتهي سياسات اروغان بإضعاف تركيا اقتصادياً وخروجها من الشراكة مع اوروبا وتهاوي قوتها العسكرية التي ما بنيت الا من خلال الشراكة مع الولايات المتحدة والغرب ومن خلال عضويتها في حلف شمال الأطلسي . سنجد خلال سنوات ان المحاولات الرافضة لسياسات اردوغان سينجم عنها انقلابات بعد اخرى وستمتلء سجون الدولة بالديمقراطيين والمتنورين وستذوى الصحافة التركية الكبيرة لا سيما ونحن نراقب كيف يغتال شرطة اروغان صحفها ومجلاتها ومؤسساتها الإعلامية المشهود لها بالتميز . 15 مؤسسة اعلامية جرى اغلاقها بناء على اوامر اردوغان وشرطته .
وفيما ينشغل اردوغان بحياكة مؤامرات ضد العراق وضد شعبه ستتحرر الموصل وسينتعش العراق ويحول امواله نحو الاستثمار ويصلح اقتصاده وينشئ مؤسساته المستقبلية .. بقي ان نتمنى على حكوتنا المزيد من الصبر والحكمة والامل في ان يصلح الله عقل حاكم جارتنا الكبيرة تركيا .

*رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة