الأخبار العاجلة

رحلة مع جحا!

بعد رحلة عمل يوم شاق.. رميت بجسدي المتعب والمنهك على السرير، ما أن وضعت رأسي على الوسادة “الخالية “.. حتى رحت في إغفاءة طويلة.. لم أتمكن فيها من مقاومة النوم الذي كان سلطاناً في تلك اللحظات الحرجة من عمر الزمن، متجاهلاً في الوقت نفسه الصوت الذي كان يناديني من داخل مطبخنا: “يمعود تعال.. العشا راح يبرد”!
وما هي إلا لحظات قليلة حتى وجدت نفسي أغط في نوم عميق.. وأطير مع البساط السحري الطائر في رحلة الأحلام السعيدة.. أسرح بعيداً عن زمن الدواعش والفواحش.. لأعيش في ذلك عصر وزمان “جحا” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بحكاياته ومواقفه الطريفة.
وجدت نفسي وبفضول صحفي.. مهووساً بالمواقف الطريفة التي كان “جحا” يضع نفسه فيها والمطبات التي يقع بها جراء تصرفاته وسلوكياته.. لكن برغم كل ذلك فإن أغلبية سكان الحي كانوا يتعاطفون معه ومع مواقفه المحرجة ويستقبلونها بابتسامة وضحكات وقهقهات !
كنت أقول لنفسي: “ياه.. كم أنا محظوظ لأني أسكن في الحي الذي يسكنه هذا الرجل المشهور الذي يدعى “جحا” شاغل الناس بحكاياته وقصصه التي تتناقلها الألسن والشفاه وعبرت شهرته الدول والأفاق.. برغم افتقارنا في ذلك الوقت الى وسائل الإعلام والفضائيات والإنتريت وشبكات التواصل الاجتماعي..!
ونحن على هذه الحال في ذلك العصر والزمان.. كثر الوعاظ في كل مكان وأصبحت المنابر المنتشرة في تلك المدينة تعج بهم وببضاعتهم التي كانت رائجة ورخيصة.. ولأن هذه المهنة لا تحتاج إلا لبياع كلام، ولسان معسول.. وملابس “الشغل” ، فقد أراد جحا أن يجرّب حظه العاثر في هذه المهنة التي لا تتطلب كثيراً من الفطنة أو المعرفة.. وتطبيقاً للمبدأ الذي يقول “حشر مع الناس عيد”.. فقد رغب “جحا” في أن يكون واحداً من هؤلاء.. يخطب بالناس ناصحاً وموجهاً وواعظاً.. عسى أن يحظى باحترامهم وتقديرهم وأن يرفعوا من درجته الى مصاف الوجهاء وأن يحصل على المال والشهرة والمكانة العالية..!
ارتقى جحا المنبر لكنه ارتبك وتحير في ما سيقوله للناس.. لأنه لا يجيد هذا العمل مثل الآخرين “أصحاب الكار” ممّن يعتاشون على هذه المهنة وخبروها منذ زمن .. لكنه تدارك الأمر وفطن الى حيلة يخلّص بها نفسه.. فخطب في الناس قائلاً: أيها الناس هل تعلمون ما أقول لكم؟
فقالوا: لا
قال جحا: حيث أنكم لا تعلمون، فلا فائدة للوعظ في الجهّال!
ونزل من المنبر.. ثم صعد في يوم آخر… وقال: أيها الناس هل تعلمون ما أقوله لكم ؟
قالوا : نعم
قال: حيث أنكم تعلمون، فلا فائدة من إعادته ثانية!
ونزل من المنبر.
فاتفق الناس على أن تقول جماعة منهم “نعم” وأخرى تقول “لا ”
صعد جحا في يوم آخر ..
وقال : أيها الناس هل تعلمون ما أقول لكم..؟
فقال : بعضهم : نعم، والبعض الآخر: لا
فقال لهم : على الذين يَعلمون أن يُعلموا الذين لا يعلمون..!
وبينما كنت أستمع مع الجمهور الحاشد الى هذه الموعظة العصماء لجحا.. وأقوم في الوقت عينه.. بتغطية صحفية مدوناً وموثقاً لها على ورقة البردي… استيقضت وفزعت على صوت التلفاز.. الذي قض مضجعي.. وهو يبث تصريحا “نارياً” لأحد السياسيين في جمع من الناس.. اضطرني لأغلاق التلفاز بعد وقت قصير وإسكاته نهائياً.. لأنني لم أفهم اللغة التي يتحدث بها وما الذي يريد قوله أو إيصاله الى الناس… عندها ترحمت على أيام جحا.. وذهبت الى المطبخ لتناول العشاء.. ومن ثم الى الفراش لأكمل رحلتي مع جحا !
• ضوء
من كُثر الكلام.. رَخُص الكلام !
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة