(قفص) حداد وأبيض: القبض على النسوة في اعترافاتهن

روجيه عوطة

لم تخرج النساء من الـ»قفص»، الذي كتبته جمانة حداد، ومسرحته لينا أبيض (كل أحد وإثنين-مترو المدينة)، فعرضُهن اقتضى من كل واحدة منهن، الإكتفاء بالتكلم داخل العيادة الطبية، التي، ومع أن طبيبها وطبيبتها متخصصان في الجسم النسائي، إلا أنهما بديا محللين نفسيين. ومع غيابهما عن الخشبة، صار التحدث معهما عبارة عن مخاطبة للآفل. فلما تتوجه النسوة بعباراتهن إليه، من دون أن يحضر إزائهن، يظهرن كأنهن يحاولن التواصل معه. وحين يتعثرن في فعلهن هذا، تحتد ألسنتهن، أو يعتصمن في أجسادهن. ولكن، وعلى الرغم من ذلك، يبقى الآفل على أفوله، فلا يظهر له قول، ولا ينجلي له وجه، وبالتالي، يدور الكلام بين أربعة جدران، ويظل محاصراً بها.
أطلقت النساء عنان السرد على مسمع غائبٍ، روين معاناتهن، التي تنتجها السلطات المجتمعية وعلاقاتها الذكرية، وعلى رأسها العائلية منها. إلا أنهن، وفي الغالب من حكاياتهن، طالبن هذه السلطات، التي صنعت أقفاصهن، بتقبلهن، وذلك، بالإنطلاق من اختزال اختلافهن ببعض التصورات الشائعة عنه، بغاية «معيرته» وجعله «normale». فهن يردن الإنتهاء إلى نطاق سجاني الأقفاص، كما يردن إعترافهم بهن، ولهذا، لا يعود كلامهن مع «الطبيب» و»الطبيبة» سوى إخباراً، كأنهن يعترفن، لكي يجري الإعتراف بهن. وعندها، لا يتموضع القفص «بين الفخذين» فقط، بل يصير فماً أيضاً، وهو مهما نطق بالسخط والشتم، يكون معتقلاً برد الفعل، بالإرتكاس.
لا يقوم الخروج من الأقفاص بإبانة المكابدة النسائية لجعلها فرجةً، مسندها هو «الجرأة في الإعتراف»، وبالتالي، «الجرأة المذنبة»، التي تحمل صاحباتها إلى قول أنفسهن في حدود تصورات قامعيهم عنهم. إذ لا يمكن الجزم إن كانت النسوة يتحدثن عن «القفص» لتحطيمه، أو ليستكملن محكوميتهن فيه. فالسمينة تبغي أن ينتبه إليها رجل ما، و»العانس» تردد أن عضوها الجنسي قنبلة موقوتة، والمثلية «تحب حالها» عبر عشيقتها، والمنقبة ترمي إلى مشاهدة البورنو كزوجها، والمومس تسرف في أداء تنميطها. أما، بعد أن يتكلمن، فينصرفن من المستوصف مثلما كُنّ حين وصلن إليه. فلا الكلام أدى بهن إلى تغير، ولو طفيف، فيهن، ولا إبراز الجسد عبر استمتاعه، حوّلهن. فلم ينزعن الخجل داخل العيادة الا بمعية الذنب، ولاحقاً، عدن ولبسن إياه كي يغادرن، فالكلام المذنب، الإعتراف، يعيد إنتاج خجلهن.
على أن حالهن هذه ليست منفصلة عن مخاطبتهن للغائب، للآفل، بحيث يعرضن أحوالهن عليه. وبدوره، وفي إثر لا مرئيته، يعرضهن. تالياً، يستحيل تكلمهن معه بمثابة نفي لهن في إطارات ذاتية، وتأكيد لحضوره عبرهن، كأن سكوته، هو الذي يحثهن على الإنباء من أجل سماع صوته، الذي يجري التفاعل معه، من دون أن يكون موجوداً. ثمة مشهدية دينية هنا، أو بالأحرى قداس حديث، لا تعترف صاحباته لـ»لله»، بل يعترفن بأن لا مكان بعد الأقفاص، أكانت عضواً جنسياً، أم عيادة، أم صورة عن النفس، أو الجسد بوصفه جسماً مجنساً، ممارسته للذة تسحق طلوعه. فالمكبوت، الذي حاولت المسرحية أن تفلته، سرعان ما عادت وأدخلته في وضعه من جديد، كأنها، وكلما هتكت المحرم، تُشكّله: بدل الستر، يحل الإستعراض، وبدل السكوت، يحل الكلام، وبدل الله، يحل الغائب، وبدل الإنحباس، يحل السراح المقونن والمحكوم…
على طولها، ظلت المسرحية بعيدة عن القول النسوي، عن القول الإختلافي، عرضت واستعرضت المعاناة، والتحرر منها، بالمحاكاة و»الباروديا». ولما كان الجمهور يتلقى هذا القمع الممارس بحق النساء، كان يحوله إلى مضحكة، متفاجئاً بعباراته، كأنها غريبةً عنه، ومتباغتاً بأوضاعه، كأنه ليس منخرطاً فيها. هناك، قفص آخر، أضيف إلى الأقفاص، التي تحشر النساء فيه، وهو قفص تمثيلهن، وجعل مشقاتهن موضوع تفرُّج من أجل التطهر، وتحويل حريتهن إلى كلام في تابوت، مهما كان مشرعاً، يظل مغلقاً وضيقاً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة