الأخبار العاجلة

رواية (مالم تمسسه النار) للروائي عبد الخالق ألركابي (ج1)

قريبا من أسرار.. بعيدا عن لهيب نار
حميد الحريـزي

عنوان رواية الروائي القدير عبد الخالق ألركابي الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في طبعتها الأولى عام 2016 والمؤلفة من 271 صفحة، هي رائعة جديدة من سلسلة روائع الأديب الكبير ألركابي .
العنوان في المتن إشارة إلى ما تبقى أو افلت من الحرق من «الدفتر الأسود» سجل أحداث الرواية المكتوبة بقلم الراوي على لسان «نديم اسكندر بيك» الشخصية المحورية في الرواية سليل العائلة التركية الثرية الإقطاعية عائلة «اسكندر بيك»، حيث قام بإحراق هذا السجل قبيل انتحاره، لولا أن يتمكن من إنقاذ المتبقي منه من قبل صديق نديم الحميم عيسى من سكنة مدينة الثورة الجوادر وهو احد أقرب أصدقاء نديم .
«انه دفتر قديم، متسخ وملوث بالرماد، يبدو وكأن النار شبت في أطرافه، فلوت أوراقه وجعدتها بعد إن أجهزت على العديد منها». ص9
«عيسى» الذي آوى «نديم» بعد خروجه من الشماعية على اثر تسيب نزلائها وإهمالهم من قبل السلطة وموت اغلبهم جوعا وعطشا، واستضافه في داره في الجوادر ورعايته حتى موته منتحرا بالتهامه كمية كبيرة من الحبوب علاجه في المستشفى قبل خروجه، وإقدامه على حرق «سجله الأسود» الذي أنقذ عيسى بقاياه واحتفظ به لديه لحين تسليمه إلى الراوي وهو ضالته الكبرى، وهي دلالة على طيبة ووفاء ونقاء هذه الشريحة الاجتماعية رغم فقرها، كما إنها دلالة على كون هذه الطبقة هي حاملة وحامية التاريخ الحقيقي ناهيك عن كونها الفاعل الحقيقي في أحداثه وتغيراته …
العنوان يحيل إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فعلى الرغم من البانوراما الروائية التي شملت الكثير من الطبقات والشرائح الاجتماعية وفي فترات تمتد لعقود من السنين، لكن هناك ما لم يتمكن من الاحتفاظ به وقد التهمته نيران الذاكرة ونيران الحروب وضيعته السجون وظروف التقشف والتشرد، ويد السلطات ورواتها المزيفون، وسطوة قوى الاحتلال، مما يؤكد للقارئ والمؤرخ وللأديب أن هناك الكثير لم يزل في خانة المستتر أو ما هو ضمن رماد الحرائق، وقد كان الكاتب موفقاً تماماً، وأميناً مع ذاته وصادقاً مع القاريء في المقدار الذي تمكن من كشفه أمامه من حالات تاريخ وحراك وطبيعة المجتمع العراقي وتحولاته في مراحل مختلفة منذ الاحتلال العثماني وحتى الاحتلال الأمريكي ….
ولا شك إن الكتاب أو السجل أو الدفتر يوصف بـ»الأسود» دلالةً على المآسي والظلام والكوارث على مستوى الأفراد أو على مستوى البلاد فيختزل الكاتب بذلك الحاجة للإشارة إلى مدى عمق مأساة العراقيين على مر عقود من الزمان من احتلال إلى احتلال وفيما بين احتلال واحتلال ، فالسواد هو السائد في «أرض السواد»!!!

طبقة اجتماعية عليلة ومأزومة :-
يشير الكاتب إلى أن «نديم» ابن «اسكندر بيك» ورث عن أبيه مرض «الصرع» بالإضافة إلى الثروة والجاه، وربما ورث أبوه المرض عن جده، وهم من موالي العثمانيين ودولتهم المريضة التي تناهشتها الدول العظمى وخصوصا بريطانيا وفرنسا، وقد عرّف الأطباء هذا المرض بأنه:-
«اعتلال في الدماغ أو المخ حيث يحدث خلل في وظيفة خلايا الدماغ والخيوط العصبية فيصدر عنها موجات كهروكيمائية مفاجئة تسبب خللاً في وظيفتها قد تكون على شكل خلل سلوكي، اضطراب نفسي، اضطراب حسي، فقدان الوعي أو تشنجات عضلية، وقد تكون محددة في أجزاء معينة من الدماغ أو شاملة».
وتشير العديد من الدراسات الطبية والتاريخية أن العديد من الشخصيات المصابة بهذا المرض تتميز بالحس الفني المرهف أو بالذكاء المفرط ومن أمثالهم:
«نابليون القائد العسكري الفرنسي المعروف، وكذلك الفرد نوبل صاحب الجائزة العالمية حيث تذكر المراجع إنهم مصابون بالصرع».
فالشخصية المركزية في الرواية هي شخصية «نديم اسكندر بيك»، كان يتميز بحساسية كبيرة، وذكاء مميز، وحس فني فطري، بدلالة قدرته على عمل تماثيل تمزج بين الفطرية والحداثة، غريبة الأشكال تلفت النظر، استطاع أن يصقلها متمرناً على يد زميله في الشماعية النحات الفطري «حكمت الكردي» والذي قال عنه «نديم»:
«كان من المحال عليّ مواصلة الحياة في المستشفى خلال تلك الشهور المعدودة لولا صداقتي لذلك النحات الفطري (حكمت الكردي) الذي كان يستلهم – دون أن يدري بطبيعة الحال – طريقة النحات العظيم مايكل أنجلو» ر.ص 58.
كذلك قدرته على عمل نموذج مصغر من مطحنة والده بعد مشاهدتها مرة واحدة وقد كان نموذجا أدهش جميع من شاهده في حديقة المنزل ، وكانت له قدرة غير عادية على التنبؤ بالأحداث والفواجع القادمة …….
فهذه الشخصية التي عاشت في ظرف مرتبك وفي بيئة غير متوازنة، ورث عن والده الثراء، والصرع، والسوط، وتاريخ غير مشرّف وفضائح يعلمها القريب والبعيد …

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة