الثقافة خنثى

تهب الانثى نفسها للكتاب بجميع تضاريس روحها المرئية والخفية وكأن هذا الكتاب: الوليد الوحيد في رحمها، الذي سوف تغذيه من فاكهة الحب والجمال. تهب الانثى الكاتبة نفسها للرواية كما تقدم البرتقالة نفسها للجسد الذي يتناولها بأجمل ما تكون، وسوف تصير جزأ من ذات الجسد/ الكتاب، والبرتقالة /المرأة المبدعة تتلفت لأمها الشجرة بحنان وفقدان وهي تشكرها لأنها قدمت كل ما عندها وما تعبت عليه لحول كامل، سنة بأيامها وهي تلملم اشعة الشمس وقطرات المطر واسرار التراب لتنتج البرتقالة فتوحدت المرأة والكتاب والشجرة والبرتقالة في كيان واحد سوف نقرأه ونعرف من يقف وراءه.
اذا كان حال المرأة السجينة وراء قضبان ظلامية المجتمع الجاهل هذا فأي بطولة خارقة في ان تسبح عكس التيار وتكتشف نفسها وتعي ذاتها لتكون مبدعة في حقول الادب والفن والفكر والمعرفة. وعندها لا يفكر قارئ وناقد (انها امرأة مسكينة) : من هذا الباب يتم التساهل وغض الطرف عن قيمة ومستوى المنجز الابداعي للكثير من النساء المبدعات، حيث لا يصدق الرجل أن امرأة اخترقت كل هذه السجون وحققت المعجزة فصارت اديبة او فنانة او عالمة. بينما هي مجرد تابع خرجت من ”ضلع“ الرجل.
في الذاكرة الجمعية تنطّ صورة المرأة الشاعرة او الروائية والقاصة من اطار الجارية التي تضيف زينة اخرى الى جمال وجهها ورشاقتها وسحر لسانها واناقة سلوكها واختيار الوان ملابسها وانتقاء الحلي لجعل انوثتها مشعة وهاجة وطاغية. فهل الادب والفن هو سد نقص وتعويض عن عيب جمالي؟
هل الابداع الانثوي تحد لسلطة الرجل وكسر طوق هيمنته واستحواذه؟
هل المنجز الانثوي رد اعتبار لعقل المرأة واسقاط تاريخ الفحولة العقلية؟
ان الثقافة الذكورية عجزت عن اللحاق بمركبة الحضارة وأثبتت ذلك قولا وفعلاً وتفكيراً فهل تراهن الثقافة الانثوية على التطور ومواكبة الدول المتقدمة على الرغم من بطلان هذه الثنائيات، اذ لا توجد ثقافة واحدية الجنس، بل ان الثقافة خُنثى، هي امتزاج وتلاحم بين الاثنين اذ لا يمكن فصل هذه عن ذاك. ولكن لو سلم زمام سلطة العقل للمرأة- مجرد فرضية- هل تنقذ ما فشل به عقل الرجل؟
هناك تحالف خفي مضمر بين الجميع على اختيار الانثى قربانا وضحية، فكيف تتصدى كاتبة السرد الروائية والقاصة لجبروت ثقافة كهذه وهي تحمل إدانة خفية وسافرة ضدها ولغة ذكورية ضدها، تحمل في دلالاتها حق استباحة كيان الأنثى فلسفيا واجتماعيا ودينيا باعتبارها الوسخ الوحيد في عباءة الثقافة.
في ظل واقع كهذا كيف سيكون شكل نسيج السرد المعمول بكف الأنثى، كف ثقافية مقطوعة، وبأي ألوان حكائية ستختار وهي تضفر سجادتها السردية في حين هي تعيش محنة مزدوجة مثل محنة السمك: مأكول مذموم؟
لا نعرف تضاريس العالم السري للأنثى وهي تبني صرح منتوجها السردي، الذي يبث نكهة أنامل رقيقة والوان سحر شهرزاد وهي تخدر سيف الذكورة الى يوم آخر، وهي تخترق السجون الداخلية والخارجية فتسبح عكس تيار الثقافة في مغامرة بطولية لتحطيم جبروته الذكوري.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة