السياسة والأخلاق

/من السذاجة القول بان السياسة لا يجمعها بالاخلاق جامع، ومن الجهل القول بأن السياسية هي الاخلاق نفسها.. فالموضوع شائك واكثر تعقيداً مما نظن.
/كتابَ المفكر الفرنسي ريمون بولان، رئيس جامعة السوربون السابق(الاخلاق والسياسة) مرجع مهم، وربما أساس، لهذا الموضوع المعقد، وقد قلبناه بتقديم السياسة على الاخلاق (عنوانا للمداخلة هذه) ليس بدواع شكلية بل ارتباط بالحال العراقي إذ جررت السياسة الاخلاق الى التباسات وسلسلة من العثرات والطعون بحيث لم يعد ذكر الاخلاق والاخلاقية في محفل من المحافل العراقية يمر من غير مرارة وشفقة وأسفاً، والبعض يذهب الى نعي الاخلاق السياسية الى مثواها الاخير في ظل ما ينشر ويقال عن فساد الطبقة السياسية العراقية وغياب القواعد الاخلاقية للعبة الحكم، ويشار بذلك الى التعهدات والاتفاقات والوعود التي يجري الاعلان عنها وبعضها جرى التوقيع عليها تهبيرعن الالتزام بها.. /وثمة البعض الآخر يعتقد، وقد يعلن، بأن الحاجة الى الاخلاق في ميدان السياسة أنتفت وبطلت، في الواقع، وأن السياسة علم مستقل بذاته أو منظومة من القواعد التي تنظم المصالح وتديرها، تلتقي أو تبتعد عن الاخلاق بحسب دائرة النشاط ولوازمه، وأن الاخلاق كقيم إنسانية مكانها جمهورية افلاطون، وللذين يتنصلون عن التعهدات وعناوين الاخلاق أسباب مبررة، ولهذا التنصل عمق في التأريخ وأصالة في النفس البشرية منذ أن تمرد أبليس على تعهد الركوع الى الان
/بولان يفتتح هذا الموضوع الشائك بسؤال تأسيسي يقول “هل الامر الجيد في مجال النظر، أمر جيد في مجال العمل؟” وهو سؤال يدخلنا فورًا الى موضوعة النظرية والممارسة التي تدخل بدورها جوهر العلاقة بين الاخلاق كنظرية والسياسة كممارسة، لكن المفكر الفرنسي يحذرنا من البعض الذين يجعلون من أنفسهم خفراء للقيم الاخلاقية ووعاظ للقناعات النظرية من الزعم الساذج بأن حكومة التكنوقراط “لا أخلاقية” وقال إنها تستند الى مغالطة برغم “أن التقنيين هم أفضل من يستطيع حل المشكلات المتصلة بتقنياتهم” إذ تحملنا على “نسيان أن السياسة، كالاخلاق، هي ممارسة وليست تقنية». /وإذ تمتلئ خواطر السياسة بذم مفكر عصر النهضة الايطالي ميكافيلي الذي قلل من سطوة الاخلاق على السياسة بواسطة نظريته الشهيرة “الغاية تبرر الواسطة” فإن ريمون بولان قدم نظرة مخالفة الى دوره وفكره وتطبيقاته وأكد “أن أحداً لم يسعَ سعي ميكافيلي الى تحديد التقنيات السياسية بأكبر دقة ممكنة” والاخير كما هو معروف صاحب الرأي القائل بأن موضوع السياسة يتألف من الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها واستعمالها، وطبقا لما يقوله بولان، فأن ميكافيلي صاغ قواعد السلوك السياسي في ظروف محددة تماماً “بل إنه قدم الوصفات الضرورية لهذا السلوك” ويلفت النظر الى مقولات (احكام) مهمة كان ميكافيلي قد أطلقها ولم تكن لتثير إهتمام الباحثين “الاخلاقيين” مثل قوله: “ كيف نبقى في بلاد نحتلها؟” أو “كيف نقيم حكومة حرة في دولة فاسدة” أو “الانبياء المسلحون غالبون والانبياء العزل مغلوبون”.
********
كونفوشيوس:
«الكلام المنمق والمظهر الأنيق نادراً ما يرافقهما فضيلة حقيقية».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة