الكتابة لَيلاً: صُورٌ شخصيَّة وأشياء أخرى

غسّان الرّاوي

النصُّ يقول: نحنُ مشوَّهون حدَّ البشاعة. مُغرقون فِي قرفِ هويَّاتيٍّ وانفِصامٍ هويَّاتي لا سَبيل إلى الخلاص منه. فلا بدَّ لَنا كَي نتغلَّب على قرفِنا من أنفسنا، وعلى اشمئزازنا البشريِّ من وحشيَّتنا وتعطُّشنا إلى المَوت: أن نتعصَّب لهويّةٍ، لموقفٍ، وأن ننادي بجُنون القتل علناً. أن نضحكَ حينما نسمعُ عن القتلى، وأن نبكي حينما نسمعُ عن القتلى ذاتهم. لَيلاً نبكي، ونهاراً نصيح: إلى جهنَّم، والعكسُ صحيح. لا شيءَ واضح، لا شيءَ حقيقي. لا مواقفنا، وَلا بُكاءنا ولا صُراخنا.
لِماذا لَا تفجَّر باريس؟ إنَّ هذا العالم صغيرٌ جداً، والتَّاريخ أيضاً صَغير. فلتفجَّر باريس، ولتفجَّر بلجيكا. وليتفجَّر العالم كلُّه، ربَّما يكونُ هذا هو الطَّريقُ الوحيدُ إلى الحقيقة. الحقيقةُ التي تُعطي الضَّحايا حُقوقهم اللغويَّة مرةً أخرى. لَيست باريسُ من تحرمُ الضَّحايا من حُقوقهم، ولَيست دِمشقُ بالتأكيد أو حلب، من تحرمُ نَفسها من حقوقها اللغويَّة مرةً أخرى.
فلأعد للمدينة مرةً أخرى. المدينة، على بعدِ متراتٍ ليست بالكثيرة ولا بالقليلة من دبَّابةٍ وضابطٍ جمركي. مدينة مزدحمة. وجوه مكررة. الملابسُ ذاتها، الوجوه ذاتها، الهُموم ذاتها. في هذه المدينة الغارقة، بنفسها، كما باريس. يتحدَّثُ البشر بأصواتٍ مسموعة، مكررة، بكلماتٍ يحفظونها من قبل، يكرِّروها على مسامع بعضهم: نَعَم أنا أحبُّ الحَياة إذا ما استطعت إليها سَبيلا. نعم، وأحبُّ التنزه في الشَّوارع ليلاً، نعم وأحبُّ أن أملك حباً ما في حياتي. لِماذا لا تضحك؟ لِماذا لا تبتسم؟ الأشياءُ جميلة، الحَياة جَميلة ومبهرة أحياناً، هُناك ما يستحقُّ الحياة. إنَّ هوساً عامّاً بدأ منذُ سنين، في هذه المدينة الغارقة بنفسها، التي لا تتحدثُ سوى عن نفسها، هوساً عصابياً بالحَياة ومفردات السَّعادة. هَل كنَّا شعباً حَزيناً من قبل؟ ألَم نبتسم من قبل هذا اليَوم؟ ألَم نرقص رقصنا الشعبيّ على قارعات الطرق وفِي حارات المخيِّمات كلَّما تزوَّج أحدهم؟ ألَم نَفرح حينَما كنَّا نفرحُ ونحبُّ عندما كنَّا نحبُّ؟
النصُّ علَيه أن يوضّح أنَّ كاتبهُ يفضِّلُ البكاء على السَّعادة. وسيعود ليكمل:
لكنَّ الهَوس، تعبيرٌ عن حالةٍ من اليأس. تعبير عن موجاتٍ متدافعة، متراكمة، تعلو بعضها بعضاً، من اليأسِ والعجز اللّذين يعيشان فِي دواخلنا. الخَوفُ من المستقبل، من الغَد. الحَياةُ فِي وسَطِ التَّنافسُ. التَّنافس على كلِّ شيء. التَّنافس. الغيرةُ والجشع، الحسدُ والإنتقام، الخَوفُ من المَوت، المَوت. نحنُ نَخافُ الحَياة أكثرَ ممَّا نخافُ الموت.. هَذا ما لا نكتبهُ صَراحةً، هذا ما لا ننطقهُ صراحةً، هَذا ما يدفعُنا إلى تكرار كلماتِ حبِّ الحياة في كلماتنا حدَّ البلادة. إنَّ جنون حبّ الحياة هو تعبيرٌ عن اللاشعور الجمعيّ الخاصّ بالمدينة المؤلَّفِ من الخوف من الحياة نفسها.
الكتابة فَوق / على جدارٍ إلكتروني. كلماتٌ لا تتحدَّث عن نفسها. صَوتٌ مختنق في فصٍّ دماغيٍّ لا يعرفُ كَيف يخرج. ما علاقةُ باريس، بشعورِ العجز، والخوف، والكتابة، والصُّراخ الليليُّ المتواصل؟ والمدينة البعيدة عن الضَّابط الجمركيّ؟ ما علاقةُ الضَّابط الجمركيّ.
يقول: لَو أعطيتَني شَيئاً واحداً: لاكتفيتُ وعشتُ كَما أنا حتَّى أموت. ويغيبُ في شقَّته المتواضعة سنةً وتسألهُ بعدها: هل حصلت على ذلك الشيء؟ ويقول لا، وهل كُنت تنتظره في المكان المناسب؟ ويقول لا، لكنَّني أحبُّ أن أقول أنَّني انتظرتهُ حقاً.
لقد صنعوا وحشاً. وصنعنا نحنُ وحشهم. النصَّ مرةً أخرى. النصَّ لا يفكِّر. النصُّ فقَط، يبدو متلهِّفاً للزَوال. زَوال البنايات الطويلة، والشَّوارع العريضة، والوجوه المكررة، والملابس الفخمة وذات الألوان الفاقعة والوُجوه المطليَّة بالفخَّار، والأظافر المطليَّة بالزُّجاج.
على مشارفِ النِّهاية. يبدو الوَقت. يَبدو المكان. المَدينة، على بعد أمتارٍ ليست بالكثيرة ولا بالقليلة من دبَّابةٍ، وضابطٍ جمركي، وشرطي بذاكرتين مختلفين. وسأمشي في الطَّريق، خائفاً ممَّن ورائي وممّن أمامي: كَيف أبدو؟ جيّداً؟ بخير؟ جميل؟ وَسيم؟ قبيح؟ قبيحٌ بشكلٍ بشع؟ هل تكلَّمت جيداً؟ هل يكرهُني؟ هل يحبُّني؟ أين أنا الآن؟ تباً.. “.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة