الأخبار العاجلة

جلاوزة اللغة

يقول وديع سعادة: اذا كانت اللغة وطنا حقا، فأننا نعيش في المنفى. والخروج من المنفى هو خروج من اللغة. هنا تنتهي بعض ملاحظاته الكثيرة عنها وقديما انتبه الجاحظ الى مشاكل اللغة وحديثا علي الوردي وهادي العلوي والعفيف الاخضر الذي يصر على عدم حذف حرف العلة لقلة الحروف الصوتية في اللغة العربية. هي منفى حقيقي ونحن نتكلم لغة قريش في القرن الواحد والعشرين، عندما نريد الحديث عن الحرية تبني اللغة حولنا سجون تلو سجون، وعند الحديث عن المرأة نرى الرجل داخل الحروف والكلمات وهو يسوقنا لاحتقار الانثى الخارجة من ضلعه ناقصة العقل وكلها عورة. المصيبة الزمخشرية: عندنا ارتباط اللغة بالدين فأي مشروع لتحديثها يندرج تحت باب الكفر والزندقة لذلك بقيت مستعصية على التطور ولا يجرأ أي مغامر مسها إلا المستميت والمهدور دمه. وبقيت اللغة مثل صنم مقدس ينحني له جميع العرب يقدمون له الأضاحي والقرابين من المغامرين لأجل انتشال هذه الامة من مستنقع الخرافة.
للغة دورة حياة كاملة مثل أي كائن فهي لها دور ولادة، طفولة، مراهقة ،شباب، كهولة وموت. ثم تبدأ ولادة جديدة في دورة حياتية اخرى بحلة وأدوات ومعاني وألفاظ وموسيقى وفقه ونحو وقواعد،كلها جديدة. مع الاسف ان القليل والنادر من المثقفين من يفطن الى فخ اللغة، ويتحاشى حقول ألغام مترامية ومتماهية في أرض اللغة. مع الاسف يمر فوقها كتبة سذج وقليلي النباهة والخبرة فيأكلون اللحم الميت للغة ويكتبون نصوص جثث ومقالات تفوح منها رائحة القبور،كما يمر من فوقها كتبة مسلكيون يجيدون فن التحنيط لجثة اللغة وهم دائما لا يفرقون بين الورد الطبيعي والورد الصناعي المزيف.
هنا يتكئ العرب بكل تاريخهم ومعتقداتهم على جدار اللغة،الذي تصدع وبانت هشاشته منذ العصور الاولى للدولة الاسلامية. تعمقت الشروخ وكبر التصدع في اللغة حتى استفحل التهالك والقدم على بنيانها لكن العرب يشعرون بالسقوط السرمدي والى الابد من دون قيامة اذا سقط جدار اللغة، لذلك راحوا يتفننون بعمليات أصلاح وتجميل للصدوع والشروخ من خلال التقديس مستخدمين حيل الطين السماوي وتعاويذ البخور والحناء لسد عيوب جدار معبد اللغة.حاول العرب بكل أنواع الفتاوى والاجتهادات المسهبة والمطنبة التمويه على الانهيار الوشيك لجدار اللغة حتى صار اليوم الحديث عن مجرد تجديد اللغة كفر والحاد بحيث لا يتجرأ أي مغامر في الكشف عن موت اللغة السريري، وها هي الحروف تدب مثل الدود تأكل وتنهش جثة اللغة، فاليوم لا تنفع معها حيل التحنيط ولا يجدي الترقيع وشد بشرة اللغة من دنو أجلها ودفنها مع اللغات الميتة غير مأسوف عليها لكثر ما اقترف جلاوزتها من جرائم. وحالما تتم مراسيم الدفن ستولد من رحمها لغة جديدة،وهنا يبدأ الجهل بالتوقف وتتحرك مستنقعات التخلف وهي تتبخر للزوال. وكلما كبرت هذه اللغة واتسعت أفاقها تفتح للعالم كل الابواب والشبابيك والكوى ليعرف الجميع أن هناك أمة ولدت توا.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة