الأخبار العاجلة

نعبد الماضي ولا نتعظ من دروسه

/يقال في الخواطر وبعض الدراسات المعتبرة ان عبادة الافراد متأصلة في هواجسنا وثقافتنا، وأننا نذهب الى إضفاء الالقاب والاوصاف الفانتازية على من نواليهم ونتبعهم ونتخلق بهم، ولا نقتصر في هذا على المصلحين او شيوخ الطرق او رجال القبائل العظام او الشخصيات الاجتماعية او الرياضية بل صرنا نتفنن في ترقية السياسيين الى موصوف “الرقم الذي لا يقهر” و”المنقذ الوحيد” و”من دونه تنهار البلاد ويتقاتل العباد” ولا نتورع، في حمية الولاء الاعمى، عن ان ننسب لهذا السياسي اعمالا ومعجزات فوق ما يتحمله العقل، وخلاف ما ترخصه دروس الماضي القريب.
/ويوماً جاء احد مريدي الصوفي (الذي اشتهر برجاحة العقل) سهل التشتري المتوفى عام 886 ميلادية حائراً ليسأله قائلا: ان الناس يقولون ان بمقدورك ان تمشي فوق الماء، فكان رد الرجل الحكيم بأن طلب من سائله الذهاب الى مؤذن في المدينة معروف بصدقه كي يسأله عن الامر، وحين ذهب المريد الى المؤذن تلقى الجواب الشافي منه إذ قال له: انا لا اعلم إن كان شيخنا التشتري يمشي على الماء، ام لا، لكن ما اعلمه هو ان الشيخ الجليل حين قصد حوض الماء ذات يوم بغية الوضوء سقط فيه وكاد ان يموت غرقاً لو لم اسارع الى نجدته وانقاذه.
/ولأننا شرقيون، ولا نحترم دروس الماضي، فقد ادخلنا الخرافة الى سوق السياسة، فنردد دائماً: “واحد يصلح لانقاذ العراق.. لا غيره” وكأن العراق ثوب فصل على طول هذا «الواحد» وعلى قياس هذه الخرافة التي طبخت في غرف مظلمة، والغريب ان مصنع الخرافة هذا انتج منقذاً لكل جماعة، تتمسك به حتى الموت، حتى ان “المنقذ” نفسه صدق الكذبة مثلما صدق اشعب كذبته يوم قال للاولاد ان ثمة وليمة باذخة في منعطف اقصى البيوت، وحين هرعوا الى صوب الوليمة المزعومة ركض هو وراءهم وهو يردد: ربما الامر صحيحا فانال وجبة دسمة.
/الجدل الدائر حول قيادة مرحلة المستقبل واهلية الزعامة المطلوبة ينزلق شيئا فشيئا (لأننا شرقيون) الى التقليل من شأن العقل وجدوى وضرورة وشرط مبدأ العمل الجمعي، كما يتجاوز حقيقة ان مشكلات العراق الكبيرة اكبر من ان يستوعبها عقل وحده، أو ارادة شخص واحد، او رئيس حكومة بعينه، وانه لا صحة في الواقع لوجود “المنقذ” الذي سيأتي بالحلول، وبالامن والكهرباء وراحة البال، بوصفه الوحيد الذي يعرف فوق ما يعرفه الاخرون، ويعمل ما لايستطيع ان يعمله غيره، ويخطط ما لم يكتشفه احد من المخططين والاستراتيجيين من الخطط.
/المشكلة، ان الذين جربناهم في السابق، والذين لم نجربهم، جاءتهم الفرص المواتية لكي يكونوا منقذين حقا فاخفقوا في ان يكونوا كذلك، وسلموا البلاد الى الغزاة وثرواتها الى الفاسدين، ولكن لأننا شرقيون فاننا نكره دروس الماضي القريب وعبره.
*****
ابو حنيفة النعمان:
«هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه، ولا نقول : يجب على احد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء احسن منه فليأت به».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة