الأخبار العاجلة

نظرية «الكم» في تجربة محمود صبري

عادل كامل

بالرغم من أن محمود صبري لم يضع نظرية فنية خاصة، خلال السنوات الأولى من حياته الفنية، إلا انه استطاع أن ينقد، ويشخص، طبيعة الواقع التشكيلي في العقد الخامس. أي في هذه المرحلة التي رسم فيها أفضل أعماله ذات البعد الاجتماعي والسياسي (الشهيد/ ثورة الجزائر) ومن يراجع كتاباته في تلك الفترة يلاحظ انه استطاع ان يشخص عدة مشكلات أساسية. فمقاله بمجلة الآداب عام ( 1956) يكشف عن اختيار لأفكار فنية واضحة المعالم وذات بعد أو انتماء اجتماعي. ومحتوى تلك الأفكار يتحدد من خلال نقد محمود صبري للفن الأحادي النظرة. كما دعا لضرورة أن يكون الفن معبراً عن الخصائص الروحية للشعب، ولقضاياه الحاسمة. وللأسف ان محمود صبري لم يبلور أفكاره بشكل واضح كما فعل جواد سليم أو شاكر حسن، ولكن هذا لا يعني، انه لم يحقق. في العديد من أعماله وأعمال الآخرين، بعض التأثيرات المهمة، ولعل أبرزها ظهور الاتجاه التعبيري والتعبيري النقدي في الفن .
وفي العقد السابع، يجيء محمود صبري بنظرية «الكم»، وقد، كتبت بديعة أمين، دراسة نقدية رائعة حقاً عن هذه النظرية في آفاق عربية ، عدد (7) 1977 ، تقول الكاتبة :
« ينطلق صبري من مفهومين علميين يتخذهما أساساً لإعادة صياغة التعبير التشكيلي في العصر التكنونووي. الأول: وهو المفهوم الذي يلغي صفة سكونية المادة وكونها شيئاً جاهزاً، ويعتبرها نظاماً من العمليات. والمفهوم الثاني ينطلق من اكتشاف اينشتاين الذي يقول ان الطاقة هي شكل من أشكال المادة، وهو ما يعبر عنه في المعادلة (ط = ك س)». وقد تبدو هذه النظرية غريبة إلى حد ما. لكن محمود صبري الذي يعتمد على أسس علمية، فيزياوية، يحاول ان يغني التجربة الجمالية والفنية برافد جديد في الرؤية والمعالجات التي تناسب تطور الحياة في نهاية هذا القرن. ومهما كان نجاح أو فشل هذه النظرية، فإن محمود صبري يبرهن على شجاعته في اكتشاف مجال غير مرئي في وضع نظرية جديدة .
الريادة وتدشينات الخطاب النقدي
من الواقعية التعبيرية إلى واقعية الكم
توضّح بعض المناهج الديالكتيكية، أو تفسر، أن الجهد الخلاق للفنان، لا يتضمن فراغات أو فجوات بين وظائفه المحددة والمباشرة، وبين التي تحمل تشفيراتها، وضمنا، الرمزية، ذات الصلة بالأبعاد المكملة للأولى، كالأبعاد الجمالية والتعبيرية. فالرؤية الجدلية، قبل ان تغدو أداة للتأمل، والتعبير، كان لها أثرها في المنجزات الفنية البكر: الدمى الطينية والفخار والرسومات، وكل ما هو مركب من العنصر والوسائل بما يتمثل ديناميته في الإرسال.
فالمنجز الفني ليس سلعة محض تنتهي عند الاستهلاك، فثمة ما هو ـ في المنجز الإبداعي ـ يستمد ديناميته لا من الطبيعة أو الحياة الاجتماعية او من الفنان نفسه فحسب، بل ومن الخصائص البنيوية للمنجز الفني وعمله الداخلي. على أن ما يتضمنه النص من تجاوز الغايات ـ بصفتها سلعة عليا أو مرمزة أو مثيرة للأسئلةـ والتقنيات المتجددةـ الحديثة وصولا ً إلى الحداثة بصفتها لا تتحدد بزمن أو مواصفات نهائية ـ تمكث اشتغالات تماثل في عملها عمل الهندسات الجينية في حفظ النوع لا على حساب الفرد بل لأجله وهو يحقق وجودا ً انطولوجيا ً واجتماعيا ً لا ينغلق عند دلالات المنجز أو مقاصد المبدع أو عند زمن محدد، بل يمكث يعمل مقاوما ًمفهوم السلعة ووظائفها الاستهلاكية. فالمخيال النائي ـ والعنيد ـ عند عدد قليل من المبدعين لا يستمد انشغالاته من المتاح له ـ آليا ًـ من المجتمع أو العالم الخارجي، أو من خلال الفرد الفنان، وإنما بفعل ما هو غير قابل للانغلاق، وربما التفسير. تاركا ً النصوص تقاوم أن تتحول إلى (شاخص) لمخلفات مندرسة، أو تم استبعادها بعوامل الحذف والإضافات، أو الاستهلاك والبحث عن (جديد) يوازي مهارات تكيف عدد من الأنواع إزاء الكوارث أو الهلاك.
هذه النصوص الموازية لظهور الحواس والدماغ، والرهافات والحدوس لا تخص نبضات القلب وحده، بل ستخص التعريف الأخير للحياة ( وقد تداخلت مع صياغات لغوية لدلالة الحياة الدينامية والمشفرة ) ذاتها وبما تمتلكه تلك النصوص من محركات مضادة للسلعة أو لمفهوم النفع. بمعنى: كل ما هو غير قابل للاندثار والزوال. وليس من الصعب تأويل اللغة التي منحت تلك النصوص سمة (الخلود) أو (المقدس) لاشتغالها بأبعاد روحية أو ذات صلة بقضايا ميتافيزيقية. على ان حدود اللغة وتمثلات الذهن كلاهما سيكمنان أو يختفيان في النص وليس في نظام اللغة. لا لأن الأخيرة ـ وهي تكتسب تلك الصفات ـ تستمد ديناميتها من الفن بصفته يتضمن ما هو غير قابل للغياب، أو الاندثار.
هذا التمهيد لم يغادر ذهن أو رؤية الفنان الرائد محمود صبري، في عقد، تمت فيه إرساء الريادة الإبداعية في العراق. ففي خمسينيات القرن الماضي، تضافرت سلسلة من العوامل سمحت لفنان كمحمود صبري ان يبلور رؤيته وأفكاره وطريقته في الأداء الفني، لم تجعله احد رموز التشكيل الحديث في العراق فحسب، بل نموذجا ً للتحديثات الأخرى، ونصوصا ً لم تفقد طابعها الجدلي لا على صعيد الموضوعات أو طرق المعالجة أو قضايا الالتزام في الفن وحريته، بل على صعيد ظاهرة (حداثات) أوربية كبرى لم تترك تطبيقاتها إلا ضرورة لصهرها بمحركات الأثر والذاكرة معا ً. فقد حدد صبري مفهوم الهوية لا بعلامات جمالية أحادية، زخرفية، أو تزيينية ـ بصفتها سلعة باذخة ـ وإنما، على العكس ـ كما دوّن ذلك وأعلنه على الصعيد النظري إلى جانب نصوصه الواقعية التعبيرية ـ بصفتها علامات نهضة حضارية وطنية وإنسانية، وبما تمثله من وعي لخصه فنيا ً، قبل ان يغادر بغداد (1963) وقبل ان يغامر باختيار أسلوب مغاير، في نظرية (واقعية الكم).

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة