قصة مدينتين

زهير ماجد
كاتب وصحفي لبناني
استعير فقط من شارل ديكنز عنواناً يصلح لهذا الزمان ايضا ، ولمكانين اطلق احدهما فعل قوة في وجه ارهاب مستعر ، بينما الآخر ينتظر شرارة اللحظة كي يقفز الى ماسوف يغير من واقع الى واقع آخر
لاتبدأ القصة حين دخل الارهاب اليهما ، من المؤسف انه لم يأت تحت جنح الظلام ولا تسللا ، جاء جهارًا نهاراً ، قدمت له كل المساعدات كي يفوز باحتلالهما ، فهي بالتالي قصة لايمكن لها ان تروى الآن ، لأنها من خصوصية اجيال ستفيق بعد سنين لتقدم جردة حساب لعالمها الذي تعيشه ، كما كنا نكتب اليوم عن مفاصل تاريخية وعن غزوات اطاحت بعالمنا او بجزء منه ، ادت الى متغيرات كبرى .
اذن يبدأ تاريخ مشوب بالقلق في الموصل والرقة من خلال حدثين : الاول من خلال مااطلقته وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس من فهمها للفوضى البناءة او الخلاقة ، وفي حدود فهمنا المنطقي لما يطلق عادة من جمل معنونة انه تدبير موجود منذ زمن ، مدروس بعناية وموضوع له تفاصيل مكتوبة على ورق . والثاني ، حين فتحنا اعيننا فاذا بمدننا العربية تسقط في يد الارهاب ، ليأكل عشبها وحيطانها واسفلتها ويسرق هواءها كي يمنعه عن اهلها ، فاذا به مولود ، وكل مولود له اب وام لأنه لايأتي من فراغ ، فاذا ماربطنا جملة رايس بما تفتق عنها من واقع جديد ومن قوى ملأته ، نعرف من اين بدأت القصة ، ومن ثم كيف صار للمدينتين ان تفقا ضمن الحيز الطبيعي للمؤامرة الكبرة ، واقول مؤامرة لأني متأكد ان الشرق الاوسط مجال حيوي اساسي للغرب واسرائيل ، ومن ضرورات استمراره ان يكمن فيه خلل دائم ، كي تظل متابعته قائمة . . وفي اللحظة المطلوبة يتقدم هذا الغرب عارضًا مساعدته لأنه اهم من يعرف ماذا فعل وماذا كان عليه مولوده الجديد . اذ ليس الاستعمار كما فهمناه في مراحل سابقة من شعارات المنطقة والعالم هو المحتل المباشر ، او ذلك الحديث منه المسيطر على مقدرات البلاد من دون احتلال مباشر ، بل انه قد يبدل جلده فيصنع بديلا عنه لكنه يحمل روحه بنحو اشقى واشد رعبًا ، وهذا ماحدث بالفعل في « داعش « وغيرها .
الأمة الذاهبة الى الموصل لاقتلاع محتل لها ، باتت خبيرة جديرة بان تلعب دورًا كهذا ، فهي جربته يوم استفاقت الى قدرها في مواجهة الاحتلال الاميركي ، وهي ايضا عرفته في جنوب لبنان يوم طردت الاسرائيلي ، وكانت قد فعلته بقوة في الجزائر ابان حرب التحرير ضد فرنسا ، ويوم طردت البريطاني من مصر ، والفرنسي ايضا من تونس ولبنان ، اذ ليس موضوعها حديث العهد ، فهي منذ زمن بعيد مجهزة لهذا الخيار . وكم تكبر النفس وتتعاظم حين نرى شبابنا العراقيين على همة كتابة قصة جديدة لمدينة تعيش في قلوبهم ويراد لدمهم ان يكون المداد الذي يكتبه . نحن امام عالم سينجح في خططه وسيعيد الوطن الى الوطن ، سيطرد الارهاب ويعيد ترتيب البلاد كما كانت ، بل مستوفاة شروط القوة حتى لتبدو كأنها جزء من ديكتاتورية مغطاة دائما بالأمل الذي كان .
وفي الوقت الذي تدخل فيه الموصل في الحضن الوطني ، تستعد الرقة السورية لكتابة قصتها الجديدة هي ايضاً .. فلكي تبدا معالم من هذا النوع لابد من تجربة تسبق فكانت الموضل .. هنالك دائمًا تجارب تحدث لكي توظف في امكنة اخرى . . هكذا تعلم الغرب ، او نحن قدمنا له شهادات موثقة بهذه الخبرة ، من دم ابنائنا ومن قوتهم احيانا .
التفاصيل العسكرية يكتبها العسكري ، اما نحن فندون تاريخ المشهد بعد ان نكون قد رصدنا عمقه . فليست الظواهر بنت ساعتها ولن تكون ، انها خمائر لها توقيت معين في البروز والظهور . لاشك انه كتب الكثير عن معركة الموصل ، وغداً عن الرقة ، وسيقف الكتاب كثيرًا عند نتائج المعركتين ، ففيها مكمن النهايات الموضوعة لهذا الجزء من الوطن العربي وذاك ، وفيها رسم لمعارك التغيير التي يراد لها ان تكتب النص الجديد كما يراد له ان يكون ، لكنه لن يكون الا على شاكلة الدم الذي سفك ، والعذاب الذي جن في جسد شعوب الامة .. فلا قسمة ولا انقسام اذا كان بعض من يقدم مساعدته من غير اهل المنطقة يأمل ذلك ، بل المزيد من التوحد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة