الأخبار العاجلة

مخلفات الخلافة

الفضلات السامة لأكثر من عامين للهيمنة المطلقة لعصابات الخلافة الإسلامية في العراق والشام، لن تزول من المجتمعات التي خضعت لها بمجرد تحرير تلك المناطق من سيطرتها العسكرية المباشرة. ففضلا عن الملايين التي نزحت وشردت بعد سقوط تلك المدن والقصبات في حزيران من العام 2014، هناك ملايين أخرى تعرضت لأبشع تجارب المسخ والإذلال وتلويث العقول والضمائر، لا سيما شريحة الأطفال وصغار السن ممن تلقوا طوال تلك الحقبة السوداء، فكرا وتربية ظلامية غاية في الخطورة. كما لا يمكن المرور بسهولة على المحطة الأشد إيلاما ووجعاً لتلك التجربة المريرة، أي ما تعرّض له بنات وأبناء وأطفال وشيوخ الطائفة الإيزيدية، من ظلم وعدوان وانتهاكات همجية اهتز لها الضمير العالمي بأسره. كل هذا يدعونا للكف عن التصرفات والمواقف والسياسات والخطابات العابثة والبعيدة عن أبسط متطلبات المسؤولية الوطنية والإنسانية. نحتاج الى نبذ السبل العقيمة والتي أهدرنا معها الوقت والإمكانات والفرص، خلف يافطات زائفة عن المصالحة والشراكة وغير ذلك من التهريج والاستعراضات التي عرّتها لحظة سقوط كل تلك المدن والأراضي بيد داعش. وهذا يتطلب عزل الشخصيات التي تصدّرت واجهة تلك النشاطات الخاوية، وقطع الطريق أمام محاولات إعادة تدويرها مجدداً خلف واجهات جديدة. لا سيما ونحن على أبواب جولة جديدة من الانتخابات المحلية والاتحادية، إذ تشير معطياتها الأولية الى إمكانية صعود قوى لا تقل خطورة وظلامية عن أسلافها الحاليين، الذين أوصلوا التطلعات الوطنية المشروعة الى ما نعيشه اليوم من كوارث وتخبط وعجز على شتى الجبهات المادية والروحية.
إن الصراع الوحشي الذي اندلع بعد زوال النظام المباد، بين القوى والكتل التي تلقفت مقاليد الأمور من جهة، وفلول النظام وحلفائه وواجهاته الجديدة من جهة أخرى، أهدر إحدى أعظم الفرص التي أتاحتها الأقدار لنا، من أجل استرداد مشروعهم الوطني والحضاري المدعوم من الأسرة الدولية ومعسكر الأمم الحرة. نتاج كل ذلك ما نشاهده اليوم من متاهات وانسداد في الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى ونحن على أبواب تحقيق انتصار عسكري في الموصل، ما زالت العقليات والخطابات والممارسات التي مهدت لكل هذا الضياع والخراب، باقية وتتمدد..! لم تحصل أية انعطافة جدية للانعتاق من أسر هذه الحقبة المميتة من النزاعات والمعارك، والتي تستعد للولوج الى أطوار أخرى لن تقل قسوة وعبثاً عن سابقاتها.
مخلفات أكثر من سنتين من عودة مومياءات “الخلافة” تحتاج الى تعاطي آخر، قادر على تفكيك ما آلت إليه الأوضاع بنحوٍ علمي وموضوعي، لا عقائدي رث ومثقل بثارات العصور الغابرة، المتربصة بمشحوفنا المشترك عند مفترق الطرق، والتي دوّنها الشاعر قبل أكثر من ألف عام وعام عندما قال: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى/ وتبقى حزازات النفوس كما هي.
في هذا لا يمكن أن نختلف، لا سيما وقد دفعنا أفدح الفواتير جرّاء السياسات الحمقاء التي اتبعت بعد زوال النظام المباد، وكيف أسهمت لا في تجفيف تلك البرك الآسنة من “الحزازات” وحسب بل في تعميقها وتزويدها بكل ما يساعدها على الانتشار، وهذا ما يعرّض التضحيات الهائلة والانتصارات العسكرية الى طعنة نجلاء، إن ظلت هذه القوارض والمناخات والاصطفافات هي السائدة في المشهد الراهن.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة