(بابت) لـ»سنكلير لويس»: التهكم على الثقافة الأميركية.. برعاية أميركية

رواية هجائية طويلة عن قيم الثراء والخواء الأميركيين
وجدي الكومي

ستقرأ الفصول الـ34، وأنت تطارد نكتة كبيرة، تتشكل سطراً بعد سطر، إنها رواية سنكلير لويس الشهيرة «بابت»، أو أيقونته التي نشرها العام 1922، لكنها ما زالت راهنة للقراءة واستخلاص العديد من الرسائل في 2016.
ثمة الكثير ما يقال عن هذه الرواية، لكنني توقفت أمام عبارة وضعها ناشر «دار التنوير» التي أصدرت الرواية بترجمة الحارث النبهان، أشار فيها إلى أن هذا الكتاب نشر بالتعاون مع برنامج الكتاب العربي في السفارة الأميركية (القاهرة)، وهو برنامج يعمل مع دور نشر مصرية على ترجمة ونشر كتب تعبّر عن الثقافة والقيم الأميركية. استوقفتني هذه العبارة بعد الانتهاء من قراءة الرواية الجميلة، إذ إن الروائي أراد الاستهزاء من الثقافة والقيم الأميركية الرأسمالية الصاعدة آنذاك، وقت كتابة الرواية، بتصويره الرجل الثري «جورج بابت» الوسيط العقاري الحريص على نمط حياة معين، وثقافة شديدة الشوفينية والتحيز للقيم الأميركية، تصل أحياناً إلى حد العنصرية البالغة، والهزء بكل ما هو معادٍ لثقافته.
اللافت فى الرواية، نجاح سنكلير لويس في توجيه ضربات التهكم والسخرية اللاذعة لهذه القيم الأميركية، والثقافة الحريصة على مظاهر الحياة الثرية، والتمتع باستغلال الآخرين، الذين لا ينتمون لأصحاب الطبقة المستغلة الجشعة. هكذا يقدم لنا لويس بطله، بقوله: كان اسمه جورج ف.بابت، إنه في السادسة والأربعين الآن، أي في شهر نيسان من العام 1920. ما كان هذا الرجل يصنع أي شيء على وجه التحديد، لا زبدة، ولا أحذية ولا حتى شعراً. لكنه كان شديد البراعة في بيع البيوت مقابل أثمان أعلى مما يستطيع الناس دفعه.
هكذا يأخذنا الروائي الأميركي الحائز على جائزة نوبل العام 1930، بسحر تفاصيل رسمه للشخصية الرئيسية بابت، إلى مشهد تاريخي أميركي بالغ الخصوصية، في فترة ما قبل الأزمة العالمية الشهيرة، التي عرفت بالكساد الكبير، ليجعلنا نلهث خلف ما يقدمه لها من أطر، فيضعنا فى قلب الصورة. كل فقرة من فقرات العمل هي لوحة. يصف لويس تسبب الوسطاء العقاريين في فوضى عارمة في منزل السيدة كروزبي نولتون، التي استضافتهم على هامش مؤتمر ضخم: «كان أحدهم قد رسم شارباً بقلم من الفحم على وجه تمثال أبي الهول المجنح. كانت المناديل الورقية المكرمشة مكومة بين زهور الأقحوان. وفي الممر كانت منثورة بتلات آخر وردة جميلة.. كأنها قطع لحم ممزق. كانت أعقاب السجائر تعوم في بركة الأسماك الذهبية وتنشر من حولها بقعا وسخة مع تفتتها. وتحت مقعد من المقاعد الرخامية، كانت شظايا فنجان شاي مكسور ملمومة معا بكل عناية».
علاقة بطل الرواية بأسرته شائكة للغاية، يمقتها، ثم يمقت نفسه لأنه يمقتها. عاش مع زوجته ميرا بابت، قصة حب من طرفها، انتهت بعكس ما رغب، بالزواج منها: «كانت ميرا فتاة جيدة تماما… فتاة لا يقبّلها المرء أبداً، ولا يفكر فيها بتلك الطريقة إذا كان يعتزم الزواج منها، لكنها كانت رقيقة يستطيع الاعتماد عليها، كانت جاهزة دائما للتزلج، أو لنزهات المشي، وكانت راضية دائما بأن تستمع إلى خطاباته عن الأشياء العظيمة التى سيقوم بها».
حاصرته ميرا بابت برغبتها في الزواج منه، غمغم بشيء عن الانتظار، ثم هرب، لكن خلال الشهر التالي عاد إليها، لأن وجود فتاة بين ذراعيه كان أمراً ظريفاً. هكذا يسخر الروائي الأميركي من بطله، ومن مفاهيمه عن الزواج، ومفاهيمه عن الحياة بوجه عام. يقول بابت لصديقه بول الذي يعمل في تجارة السقوف: ماذا تتوقع؟ أتظن أننا أتينا إلى هذا العالم لكي نمضي فيه أوقاتا هينة طيبة- ما هذا؟ أتظن أننا جئنا لننام على فراش من الزهور؟ أتظن أن الإنسان خلق ليكون سعيداً فقط؟
يرد عليه صديقه بول وهو يؤكد على بلادة حياتهما: أعرف أن أناساً كثيرين يجدون حياتهم بليدة، بليدة من غير ضرورة، ولا يعترفون بهذا.
يتفق الصديقان على رحلة، يبتعدان فيها عن العمل، وعن أسرتيهما، يطلقان فيها الشتائم، ويدخنان بشكل طبيعي. منذ 14 عاماً، لم يذهب بابت في عطلة واحدة من غير زوجته، وما كان أحد ليصدق أنه قادر على ارتكاب هذه الفعلة المتهورة. يضغط سنكلير لويس أكثر من مرة على خواء حياة بابت، يجعله في أكثر من مرة يعترف رغماً عنه بالسأم الذي في داخله، والضجر الذي يؤرقه، وشوقه للسفر بعيداً من زوجته ميرا ومشاكل ابنه المراهق «تيد».
وبالفعل، حينما يذهب الصديقان في رحلتهما، يتمتع بابت بإهمال نفسه، يستمتع بإطلاق لحيته، قبل أن تدعوه روحه نفسها إلى الحلاقة. ينتابه السرور بكل بقعة زيت على بنطلونه الكاكي الجديد، يتسكع هو وصديقه بول كما يحلو لهما، يمضيان الصباح فى الصيد الكسول، أو ينامان بعد الظهر، يعيشان بعيداً من أجواء مدينتهما «زينيث»، المدينة المتخيلة التى برع لويس فى وصف الصراعات التى تموج بين سكانها، الطبقة الثرية التي ترى فى العمل كل قيمة، والطبقة العاملة، التي تبحث عن حقوقها من الطبقة الثرية، سواء بالإضراب، أو بإثارة القلاقل الدينية بين الحين والآخر. يخصص لويس الفصل السابع من الرواية للحديث عن رجل الدين، مايك موندي، الكاهن الإنجيلي الذى عرف طريقه إلى الكهنوت قادماً من الملاكمة التى قاتل فيها من أجل الفوز بالجوائز، وغادرها بأنف مكسور. جاء إلى خدمة الرب التي وجدها مربحة أكثر، لأنه أعظم بائعي الخلاص، وتمكن عبر تنظيمه الفعال، من تقليل كلفة الإحياء الديني الروحي إلى مستوى غير مسبوق، إذ أفلح فى هداية مئتي ألف روح ضالة، لكن ما هو الخلاص الذي باعه موندي؟ رجل الدين أيضاً هو بائع عند لويس، باع العمال إلى أصحاب المصانع، إذ أفلح في تحويل تفكيرهم من المطالبة بزيادة الأجور، أو تقليل ساعات العمل، إلى أشياء أكثر سمواً، وهذا ما جعلهم يرفضون الإضراب، لهذا كان مايك موندي مُرحباً به في زينيث.
الرواية هجائية طويلة لقيم الثراء، والخواء الأميركيين، والعنصرية التى تُحقّر السود، والعمال، والطبقات الدنيا. الرواية أيضا تحتقر هؤلاء الذين يظنون أن المواطن المثالي هو ذلك الذي لا يضيع وقته في أحلام اليقظة، ولا يمضي إلى جلسات الشاي الكسولة، بل يضع جهده كله وحماسته في متجره، أو حرفته، أو فنه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة